مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد الثالث - السنة الأولى - تشرين الأول"اكتوبر"1980
دور العلم - د. عمر موسى باشا
اهتم العرب بالعلم والتعلم منذ القدم كسائر الشعوب والأمم، وقد ظهر كثير من العلماء في شتى النشاطات الدينية والعلمية والثقافية، ولا شك أن الثقافة العربية كانت دعامة الثقافة الإسلامية وذخرها، إذ إنها كانت العماد الذي قامت عليه، والمدد الذي حفظها وجعلها تتطور وتتجدد عبر العصور، والمداد الذي كتب به في سفر الحضارة الإنسانية، وآية ذلك كله أن الله تعالى أنزل القرآن من لدنه بلسان عربي مبين.
ومما لا شك فيه أيضًا أن طبيعة نشوء دور العلم عامة، وظهور الإجازات العلمية خاصة، كانت، وفق الشكل الذي ظهرت فيه وتميزت به، مظهرًا عربيًا أصيلًا، تفردت به الحضارة العربية دون غيرها من الحضارات الإنسانية.
ولو استعرضنا، بالتالي، الثقافات الإنسانية قبل انتشار الثقافة العربية لأدركنا بعمق أننا نفتقد وجود مثل هذا النمط الثقافي العربي الفريد في آفاق المعارف الإنسانية.
يؤكد لنا هذا كله أن هؤلاء العرب الأجلاف، كما ينعتهم بعضهم، وهم الذين انطلقوا من صحاراهم، قد استطاعوا، بسرعة كبيرة جدًا، أن يسجلوا سبقًا حضاريًا مذهلًا، وما زلنا نرى بعض مظاهره وآثاره مطبقة في مناهج الجامعات الغربية الحديثة، دون أن يعرفوا أن ذلك كله مقتبس من ذخائر الفكر العربي، وهو تأثر بها، وتطبيق للمناهج التي عرفت في زوايا المساجد، وحلقات العلم، وطرائق البحث، ولا سيما في هذا النمط الفريد في الإجازات العلمية وضروبها المختلفة.
ولا بد لنا، لكي نبرز أهمية الإجازات في الثقافة الإسلامية، من أن نعرض بادئ الأمر نشوء دور العلم، وكثرتها، وتنوعها، ونوضح من خلال ذلك دور العلماء في تطور الفكر العربي ومستقبل الحضارة الإسلامية.
القسم الأول
نشوء دور العلم