أجل... كان ابن كلس يمتلك طاقة كبرى من الذكاء والعبقرية والخبرة العالمية في الشؤون المالية والاقتصادية والإدارية، ومتضلعًا بمعرفة أحوال الريف والزراعة والري وأنواع الغلال والبذار الصالحة، وقد ذكر أنه أفاد مصر الزراعية كثيرًا، ولم يسأل عن قضية إلا وأجاب عنها بمعرفة ويقين وعلم ودراية، وفي المجال الاقتصادي فإن الديار المصرية بعهده نعمت بالهدوء، والازدهار الاقتصادي والمالي، فامتلأت خزائن الدولة بالثروات، ولكن في سنة 373 هـ. ظهرت بوادر الغلاء والمجاعة بسبب انخفاض نهر النيل، وفي تلك الفترة كان ابن كلِّس محجورًا عليه كما ذكرنا. وعند اشتداد الأزمة افتقد الخليفة العزيز بالله الوزير العلامة ولم يجد في جميع أنحاء الدولة من يسد فراغه بإنقاذ البلاد مما هي عليه، وعندما صدر بيان بتبرئته من التهمة، عاد إلى وظيفته، وشمر عن ساعد الجدّ، وفي وقت قصير وجد العلاج الناجع، وتمكن من إنقاذ البلاد وإرجاع الأمور إلى نصابها، فعظمت مكانته، وأقبلت عليه الدنيا من جديد، وظل قائمًا بخدماته حتى وفاته.
المصادر الفاطمية تجمع على القول: بأن ابن كلس كان مسلمًا عن يقين وإيمان وحقيقة، وأنه كان متمسكًا بأهداب الدين يُطبِّقُ قواعد الإسلام وأصوله وأحكامه، وكان مختصًا ومعتنقًا الفقه الجعفري، وقد مرَّ معنا أنه ألَّف فرقة في الأزهر من المدرسين لأحكام هذه المادة، ويجب أن لا ننسى أنه وفد على مصر بعهده عدد من العلماء من جميع أقطار العالم الإسلامي، فأقاموا في مصر للدرس وللتحصيل، وأجرى ابن كلِّس عليهم الرواتب والأرزاق ومنهم:
أبو عبد الله بن محمد بن جفعر التميمي المغربي المعروف"بالقزاز"القيرواني النحوي، وكان يحمل لقب شيخ اللغة العربية في المغرب. ويقولون عنه.
"إن القزاز فضح المتقدمين وقطع ألسنة المتأخرين".