وهكذا يطالعنا المرحوم أحمد محمد حيدر بمثال البحاثة الدؤوب والعلامة النحرير والمفكر الألمعي الذي تدارس الكتب التراثية وتعمق في علومها ولا سيما الكتب الدينية والفلسفية والصوفية على اختلافها وسعى إلى تفهم أصعب ما طرحته تلك الكتب من مقولات وإلى محاولة جلائها وعرض أغراضها ومقاصدها وبيان رأيه فيها. فنجد في كتاباته فنونًا من تلك البحوث وأصنافًا من آراء الأعلام الذين زاولوها وتفوقوا في ميادينها مع تمسك بنصوص القرآن الكريم ومرامي السنة النبوية الشريفة وأقوال الأئمة وآراء العارفين ومع تفتح لكل رأي جديد حصيف ونظر تقدمي طريف. هذا واللغة العربية في بيانها المتشعب الواسع تتيح للباحث اختيار الدلالة الحقيقية أو المجازية أو التلميح أو الكتابة أو الاستعارة وما إلى ذلك. ومن المعروف أن الفلسفة متصلة أعمق الاتصال باللغة وأساليب بيانها. والعلامة أحمد محمد حيدر ممن ملكوا كالعلماء المتقدمين ناصية اللغة وأجادوا التعبير فيها. ثم إنه أكب على العلوم العصرية كما سلف واطلع على مضامينها ولا سيما ما تعلق من نتائجها بالفلسفة فتوج بهذا الإطلاع ثقافته التراثية الأصيلة.
ويخيل إلينا ونحن ندرس نظريات الحضارة العربية الإسلامية وأعلامها الأفذاذ أنَّا كمن ينظر في السماء الصافية ليلًا فتبهره بروج النجوم وتلألؤها وغزارة أعدادها. ولكنها على الرغم من الكثرة والغزارة والتألق الذي يأخذ بمجامع القلوب تشير إلى وحدة النظام السماوي وجماله الأصيل العميق. وكذلك شأن الباحث العربي إذا نظر إلى أولئك الأعلام وتأمل نظرياتهم ومذاهبهم وآراءهم راعه كثرتها وتألقها وجمال تكوينها ولكنها كلها تدل على وحدة الحضارة العربية الإسلامية الراسخة في أعماق الزمان كما هي راسخة في أرجاء الأرض وآفاق السماء.