منها واقعة رئيس الرؤساء مع اليهودي الذي أظهر كتابًا، زعم أنه كتاب رسول الله e، بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة جماعة من الصحابة، منهم علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ، فحمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء، ووقع الناس به في حيرة، فعرضه على الحافظ أبي بكر خطيب بغداد، فتأمله ثم ألقاه، وقال: هذا مزوَّر، فقيل له: من أين لك كل ذلك؟ فقال: فيه شهادة معاوية، وهو أسلم عام الفتح، وفتوح خيبر قبل ذلك سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وهومات يوم بني قُريظة قبل خيبر بسنتين، ففرج ذلك عن المسلمين غمًا.
وروي عن إسماعيل بن عياش أنه قال: كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: ها هنا رجل يتحدث عن خالد بن معدان، فأتيته فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ فقال: سنة ثلاث عشرة -يعني ومائة -فقلت: أنت تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين لأن خالدًا مات سنة ست ومائة.
وروي عن الحاكم أبي عبد الله أنه قال: لما قدم علينا أبو جعفر محمد بن حاتم الكشي -بالشين والسين معًا -وحدَّث عن عبد بن حُميد، سألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، فقلت لأصحابنا هذا يزعم أنه سمع من عبد بن حُميد بعد موته بثلاث عشرة سنة.
وذكر قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان. قال: وجدت في كتاب الشامل في أصول الدين لإمام الحرمين، وذكر طائفة من الثقات الأثبات: إن هؤلاء الثلاثة تواصوا على قلب الدول، والتعرض لإفساد المملكة، واستعطاف القلوب واستمالتها، وارتاد كل واحد منهم قطرًا. أما الجنابي فأكناف الأحساء، وابن المقفع توغل في أطراف بلاد الترك، وارتاد الحلاج بغداد، فحكم عليه صاحباه بالهلكة والقصور عن درك الأمنية لبعد أهل العراق عن الانخداع، هذا آخر الكلام إمام الحرمين.