ودانت أسرة ابن أبي جرادة بالتشيع حسب مذهب الإمامية، وظلت هكذا حتى بدأ التشيع بالانحسار في حلب، وذلك منذ النصف الثاني للقرن الخامس /الحادي عشر، هذا وإن كنا لا نعرف بالتحديد تاريخ أخذ هذه الأسرة بمذاهب السنة أمكننا أن نقدر ذلك، بحكم سقوط سلطة الشيعة في حلب مع عصر السلطان السلجوقي ألب أرسلان [وهو أمر بحثته بالتفصيل في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية] ونظرًا لعلاقات أسرة آل أبي جرادة الخاصة مع سلطات حلب، لا بد أن الحال اقتضى المسايرة والتحول إلى السنة، ولربما حسب المذهب الحنفي.
وفي عودة نحو سيرة الصاحب كمال الدين نجده يحدثنا بأن والده خطب له وزوجه مرتين، فقد أخفق في الزواج الأول، لذلك طلق زوجته وتزوج ثانية بابنة الشيخ الأجل بهاء الدين أبي القاسم عبد المجيد بن الحسن بن عبد الله -المعروف بالعجمي، وكان شيخ أصحاب الشافعي ومن أعظم أهل حلب منزلة وقدرًا وثروة ومكانة سياسية ودينية واجتماعية، ومن زواجه الثاني رزق الصاحب كمال الدين أولاده، ولم يمت والده حتى كان ابنه أحمد طفلًا يدب على الأرض، ويمكننا التعرف إلى هذا الابن من خلال استعراضنا لكتاب بغية الطلب حيث سمع الكتاب على أبيه وقام بعد وفاة والده باستدراك بعض المواد التي حالت المنية بين والده وبين تدوينها في كتابه، فمن المقرر أن ابن العديم مات دون أن يقوم بإعادة النظر في مؤلفه"بغية الطلب"، ولم يقم بتبييضه، والذي وصلنا هو مسودة الكتاب، إنما نظرًا لبراعة المؤلف وحسن طريقته وجودة خطه، نرى أن مكانة الكتاب وأهميته هي هي، ذلك أن أهمية الكتاب نابعة مما حواه من مواد تاريخية نهلها ابن العديم من وثائق ومصنفات غيبها الزمن عنا، فابن العديم كان مصنفًا ممتازًا ولم يكن"مؤرخًا"حسب مصطلحات أيامنا هذه، فهو قد جمع في كتابه المواد الإخبارية ونسقها، لكنه لم يحاول تعليلها ومعالجتها كما يفعل الباحث في التاريخ في جامعات أيامنا هذه..