وهذا يعني، أن ابن خلدون رأى موضوع هذا العلم بوضوح؛ لكن من خلال تجربة زمانه، ومن دون أن تبلغ الشمول العلمي اللازم. وهذه نقطة ليست لصالحه، إلا إذا اقتصر علم الاجتماع على الناحية الوصفية؛ وهو في حقيقة أمره ليس كذلك.
كان لا بد لابن خلدون من أن يتجاوز المعطيات الحاضرة إلى ما كان وما سيكون في كل زمان ومكان؛ ليتسنى له رؤية العلاقات الاجتماعية في كليتها. وهذا ما لم يقم به على وجهه المطلوب. ولعلنا نجد عذرًا له في ذلك، أنه كتب"مقدمته"على عجلة من أمره في غضون خمسة أشهر، وهو متوارٍ في قلعة ابن سلامة.
وإننا نحسن صنعًا لو ربطنا هذا بنقطة أخرى كانت لصالحه؛ وهي أنه عرف شروط البحث العلمي، وأقام"مقدمته"على أساس منها. وهذا ما يشهد به الدكتور حامد عبد الله ربيع حين يقول:"فأول ما يجب أن نتذكره، هو أن ابن خلدون، بالطريقة التي تناول بها الظاهرة موضع الدراسة؛ قد خلق طريقًا وضعيًا للبحث العلمي (61) ". وإذا كان الأمر كذلك، حق لنا أن نطالبه بما طالبناه به.
لكن الدكتور محمد عبد المعز نصر يرى أن ابن خلدون جمع في دراسة الدولة بين الطريقتين الوضعية والمعيارية. وهو في هذا يقول:"وعلى هذا النحو، أخذ ابن خلدون يعالج الدولة في واقعها، وفيما ينبغي أن تكون عليه؛ مفصلًا القوانين التي تحكم عملها، راسمًا المقاييس التي يحكم بها عليها في الوقت نفسه، ولقد وضع بهذا النظام الفلسفي السياسي الذي عرضه في"المقدمة"حول دراسته للدولة، أسس علم السياسة في اللغة العربية (62) ".
وإذا توقفنا عند هذه الملاحظة، كان لا بد لنا من أن نرى، أن ابن خلدون لم يحافظ على خطه الوضعي في دراسة العمران البشري؛ وأنه مزج علم الاجتماع السياسي بفن السياسة.