فهرس الكتاب

الصفحة 7291 من 23694

والحقيقة، أن السلطة تنشأ نشأة طبيعية بمجرد اجتماع البشر، وقيام العمران. وهذا رأى تفرد به ابن خلدون عن معاصريه الذين يذهبون إلى أن الحكم يكون بشرع مفروض من عند الله: فالاجتماع لا يكاد يحصل، والعمران لا يكاد يتم، حتى تنشأ الحاجة إلى السلطة؛ فالسلطة ضرورة من ضرورات الحياة المشتركة في المجتمع؛ كما إن الاجتماع ضرورة من ضرورات وجود الإنسان واستمراره: فالإنسان الذي اتخذ من السلاح وسيلة له، للدفاع عن نفسه ضد الحيوانات العجم، لا يلبث أن يستخدمه ضد أخيه الإنسان؛ إذا ما قام بينه وبينه نزاع لأتفه الأسباب؛ ولا يمكن أن يزعه عن ذلك غير السلطان.

يقول ابن خلدون في ذلك:"ثم أن هذا الاجتماع، إذا حصل للبشر كما قررناه،وتم عمران العالم بهم؛ فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض؛ لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم (5) ".

وإذا تساءلنا عن سر ذلك، أجابنا ابن خلدون، أن في طباعهم عدوان الحيوان، ومن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان. وإذا كانوا يتفوقون على الحيوان، بما لديهم من أسلحة يشهرونها في وجهه؛ فهم فيما بينهم سواء في امتلاك هذه الأسلحة واستخدامها؛ ويمكن لكن منهم، أن يفني بها من يشاء من خصومه. ولا يمكن ترك هذا يحدث؛ فهو إذا حدث واستشرى، أصبح كارثة تنزل بالنوع الإنساني، وتهدد بقاءه؛ ولا بد لدفعها من قيام سلطة تضع الأمر في نصابه؛ وتمنع المعتدي عن عدوانه؛ وتعاقبه عليه إذا قام به.

وهذا ما أشار إليه ابن خلدون بوضوح، حينما قال:"وليست آلة السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوان العجم عنهم، كافية في دفع العدوان منهم لأنها موجودة لجميعهم. فلا بد من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض؛ ولا يكون من غيرهم؛ لقصور جميع الحيوان عن مداركهم وإلهاماتهم؛ فيكون ذلك الوازع واحدًا منهم، يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة؛ حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان (6) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت