مما سبق يتبين لنا أن الفلاحة في البلاد الواقعة شرق العالم العربي كانت مزدهرة، وأن ما ورد في كتب الفلاحة النبطية واليونانية إنما يعبر عن الطرق والأفكار الزراعية التي كانت سائدة في بلاد الهلال الخصيب، لذلك فليس من المستغرب أن كتاب الفلاحة (لآنطوليوس البيروتي) قد ترجم زمن الرشيد (عام 179ه) ، كما ترجم كتاب ابن وحشية زمن المسكتفي بالله العباسي (عام 291ه) ، إلا أنه لم يشع استعمالهما وينتشر ذكرهما وتكثر نسخهما في شرق العالم العربي كما انتشر في مغربه. حتى إن ابن النديم، في كتابه الفهرست الذي ألفه عام (377ه) لم يذكر كتاب قسطوس في الفلاحة الرومية، وكذلك لم يفعل القفطي، المتوفى (عام 646ه) .
أما صاحب كشف الظنون فيقول بأن كتاب الفلاحة الرومية نقل إلى العربية من قبل عدة مترجمين وهم: قسطا بن لوقا -واسطاث الراهب -وأبو زكريا يحيى بن عدي -وسرجيس بن هليا، علمًا بأن الأول عاش في القرن التاسع للميلاد وعاش الأخير في القرن الحادي عشر منه وليس لدينا إلا ترجمة سرجيس. وإذا كان كتاب الفلاحة النبطية قد اعتبر من قبل ابن النديم كتاب سحر وشعوذة وطلاسم، فأهمل ذكره ولم ينتشر في المشرق العربي إلا أنه ذاع وانتشر واعتمد كتابًا علميًا في بلاد الأندلس.
المؤلفات العربية في علم الفلاحة الأندلسية:
لم تدم الخلافة الأموية في الأندلس أكثر من مائة وعشرين عامًا تقريبًا (929 -1031م) . ولكن على الرغم من قصر هذه المدة فقد استطاع الخليفة عبد الرحمن الناصر، ومن بعده ابنه الحكم المستنصر، وحفيده هشام المؤيد، أن يتداركوا التفاوت الحضاري والعلمي الذي كان بين مشرق العالم العربي ومغربه.