ومن الطبيعي أن يتطلع شاعر سلفي المنزع مثل شفيق جبري إلى النظم على غرارها بحرًا وقافية. ولا عليه أن يعمد إلى ذلك ما دام موضوع قصيدته مشابهًا أيضًا وهو"المرأة في الشعر" (29) : ... إلا إذا طاب للأحياء مزهاك
أنت الحياة فما تزهو محاسنها
يلهو النسيم بغصن البان في سحر ... فما يهيج فؤادي غير ملهاك
وما الضياء ضياء الشمس إن طلعت ... وإنما النور فيض من محياك
-3- ... زين الشباب ولا شباب
وعلى صعيد آخر ثمة قصيدة لشفيق جبري يقول فيها (30) :
درج المصاب على المصاب
لما سألت بهاشم ... أعيا فما رد الجواب
وحجبت حزني في الفؤا ... د، وقلت: لا هتك الحجاب
ولعله من العسير على ملم بالتراث الشعري عند العرب أن يتلو هذه الأشطر وسائر أبيات القصيدة دون أن تمثل أمامه قصيدة أبي فراس الشجية حين راح يخاطب ابنته وهو جريح يعاني سكرات الموت (31) : ... كل الأنام إلى ذهاب
أبنيتي لا تجزعي
نوحي علي بحسرة ... من خلف سترك والحجاب
قولي إذا ناديتني ... فعييت عن رد الجواب
زين الشباب أبو فرا ... س لم يمتع بالشباب
وإذا أضفنا إلى تماثل العديد من الكلمات ولا سيما القوافي بين أبيات الشاعرين كون موضوع قصيدة جبري في الرثاء، وكون المرثي هاشم الرفاعي مات مقتولًا، وان الشاعر شفيق نفسه نعته في حاشية له أنه"كان شابًا في ريعان الشباب".. فذلك كله يعني أن شاعر الشام قد جرى في هذا المضمار مضمار الرثاء مع شاعر بني حمدان بعد أن قادته هذه المعطيات المشتركة إلى إيثار هذا المنحى في المبنى الشعري. ... زحف السنين بآلام وأشجان
كذلك نلمح أواصر شبه في الشكل الفني بين قصيدة سابقة لأبي تمام وقصيدة لاحقة لشفيق جبري كان ألقاها في دمشق بمناسبة زيارة الشاعر حافظ إبراهيم في حزيران 1929 وأشاد خلالها بوحدة المشاعر والأهداف بين شعبي مصر والشام (32) :
تضمنا لغة لم يمح رونقها
لكن مصر وإن هشت وإن عبست ... ركن العروبة للقاصي وللداني
أما ما قاله أبو تمام في أبياته الجميلة (33) فهو: ... بالرقتين وبالفسطاط إخواني