والشاعر جبري الذي حرص على أن يجلو في قصيدته الدالية هذه ملامح أبي الطيب من حيث كونه -كما قال -مفرط الحس، شديد القلق والاضطراب همه المعالي والبعد عن لذات الجسم.... لم يأت بمبناه الشعري من حيث الوزن والقافية اعتباطًا، بل آثر لمضمونه شكلًا فنيًا معلومًا لم يشر إليه يومئذ أو بعدئذ، وهو احتذاؤه في الوقت نفسه قصيدة أبي الطيب التي يمدح فيها أبا الفضل بن العميد، ويهنئه بعيد النيروز. وهي أيضًا من البحر الخفيف وعلى روى الدال المضمومة الموصولة بالهاء الساكنة، ومطلعها (19) : ... وورت بالذي أراد زناده
جاء نيروزنا وأنت مراده
ومنها أيضًا قول أبي الطيب: ... لبستها تلاعه ووهاده
ما لبسنا فيه الأكاليل حتى
عربي لسانه، فلسفي ... رأيه، فارسية أعياده
ولعل من أقوى مظاهر شغف شفيق جبري بأبي الطيب المتنبي وإيثاره إياه أن خصه ببحث مسهب جعله نواة لمحاضرات عديدة ألقاها في معهد الآداب بدمشق ثم أصدرها في كتاب أسماه"المتنبئ مالئ الدنيا وشاغل الناس"وهو فاتحة مؤلفاته. ... منه في ليلة جيرانه
ثم لقي أبو العلاء من شفيق جبري اهتمامًا مقاربًا، إذ كان -كما قال (20) :"يرى شبهًا كبيرًا بين حس المتنبي وحسن المعري. لقد ألم بكل منهما في حياته أشد الألم، ولا عبرة بإقبال المتنبي على الدنيا وبادبار المعري عنها، فلم يكن ألم المتنبي وهو مفكر في نعيم الدنيا أقل من ألم المعري وهو مفكر في بؤسها وشقاوتهأ..". وهذا الإعجاب بأبي العلاء حفز الشاعر جبري أيضًا إلى أن ينشئ فيه قصيدة مماثلة لقصيدته السالفة في المتنبي، ومنها قوله (21) :
يا ضريحًا على المعرة ما استوحش
عاف رب الضريح كل نعيم ... في حواشيه ذله وهوانه
هيكل من نعومة الحس بال ... لم يطقه من البلى جثمانه