على أنا بيَّنا آنفًا، في بحث"الإباحة الأصلية"أو"أصل الحل العام"إلى أن يرد من الشارع ما يحرّم، استثناءً، أقول بيِّنا -استدراكًا على هذا الدليل -أن للعقل العلمي المتخصص، مدخلًا دلاليًا في الاجتهاد، فيما لم يرد فيه نصٌ خاص به، أن يحكم بإيجاب أمر ثبت بالخبرة العلمية المتخصصة، أن فيه نفعًا كثيرًا، أو بمنع أمر، ثبت بالنظر العقلي العلمي أيضًا، أن فيها ضررًا بيِّنًا، ومردُّ ذلك -فيما نعتقد -القواعد العامة في التشريع، وهذا ينبغي ألا يكون فيه خلاف.
وفي هذا المعنى، يقول الإمام العز بن عبد السلام، بعد أن بيَّن"أن مصالح الدارين، وأسبابهما، ومفاسدهما، لا تعرف إلا بالشرع (55) يقول ما نصه:"ومن تتبَّع مقاصد الشرع، في جلب المصالح، ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك، اعتقادٌ أو عرفان، بأن هذه المصلحة، لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة، لا يجوز قربانها، وإن لم يكن في ذلك نص خاص ولا إجماع، ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع، يوجب ذلك (56) "أي باستلهام روح الشرع، ومعقوله العام، ومقاصده الأساسية، وقواعده الكلية، من قِبَلِ العقل العلمي المتخصص، بما نشأ لديه من ملكة مقتدرة، ثمرة لطول المران والتعمق في البحوث."
أما أن الشرع جاء مؤيدًا لحكم العقل في هذا الصدد، فقد ذكرنا آنفًا، قوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه، فانتهى، فله ما سلف(57) وقلنا: إن سبب نزولها خاص بشأن الأموال التي اكتسبت من الربا، قبل تحريمه، فدلت الآية الكريمة، أن ما كان منها قبل التحريم، فهو على"البراءة الأصلية"لأن حكم الآية بالتحريم، لا يشمل إلا الأموال التي اكتسبت بالربا بعد نزولها، لا قبله.
على أن خصوص السبب، لا يقضي على عموم اللفظ، كما هو معلوم أصوليا، ولا ريب، أن هذا النص القرآني، جاء تأييدًا لحكم العقل بالبراءة قبل نزول الآية الكريمة.