ولقد استمر ذلك فيهم بعد مجيء الإسلام فكان السيف أداة الفعل والتأثير في نحور المشركين والمرتدين والطغاة، وأعداء الدين الجديد، وكان اللسان داعية حق وخير، ووسيلة هدي وإقناع وإرشاد، كما كان المنافح عن هذا الدين الحنيف ورسوله الكريم ضد قريش الذين كانوا أهل فصاحة وبيان، وأهل قتال ونزال، فقد لجأوا في البداية إلى السيف من جهة، وانتدبوا شعراءهم مثل عبد الله بن الزِّبَعْرَى، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وضرار بن الخطاب، وعمرو بن العاص من جهة أخرى وذلك لمجابهة النبي r وإيذائه بألسنتهم كما حاولوا إيذاءه بأيديهم وسيوفهم، فكان لا مفر من التصدي لهم، ولذا قال صلوات الله عليه:
"ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟ فقال حسان بن ثابت الأنصاري -شاعره-: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه وقال: والله ما يسرني به مِقْوَل بين بُصرى وصنعاء. قال رسول الله: كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمي؟ فقال: والله لأسلّنك منهم كما تسل الشعرة من العجين. فقال له: ائت أبا بكر فإنه أعلم بأنساب القوم منك... أو قال صلى الله عليه وآله لما بلغه هجاء أبي سفيان بن الحارث أباه: من لهذا؟ فأتاه عبد الله بن رواحة فقال له: إني لأرفعك عن ذلك، وجاء كعب بن مالك، فقال له: أريد أمتن من شعرك، فجاء حسان، فأدلع لسانًا أسود فضرب به صدره ثم ضرب به أرنبة أنفه ثم قال: يا رسول الله، ما أحب أن لي به مِقْوَلًا في العرب، فقال: اهجه وجبريل معك، أيدك الله بروح القدس، اذهب إلى أبي بكر يعلمك من تلك الهَنَات"، روى ذلك أبو هريرة وغيره من الصحابة (2) . وهكذا كان حسان شاعر الدفاع الأول بلسانه عن الإسلام ونبيه، وانتدب معه لهجو المشركين ومقارعتهم كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة.. وما صوت"حسان"بخفيض وهو يتصدى لأبي سفيان بن الحارث بقوله:
هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه
إلى أن يقول: ... وبحري لا تكَدِّرُه الدِّلاءُ (3)