هذا، ولابد من أعمال الدليلين في الواقع العملي، ما أمكن، فلا يجوز إهمال أحدهما، لما تقرر أن أعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، ولأن حقائق التشريع وحدةٌ كاملة لا تتجزأ، فلا يجوز الاجتزاء أو الاكتفاء ببعض الحقائق التشريعية، دون بعض، لمنافاة ذلك لمقتضى العدل، ولأنه لا تخالف في التشريع بين الجزئي والكلي، إذ ليس من سمات هذا التشريع التخالف، والاجتزاء هو منشأ الخطأ في اجتهاد كثير من الكاتبين في مسألة حكم العدول، فمن ذهب إلى أن العدول في حد ذاته، لا يوجب المسؤولية بأي حال من الأحوال، لم يراع وجه التعسف فيه، وهو منشأ المسؤولية، كما لم يلتفت إلى أن الحق في التشريع الإسلامي مقيد لا مطلق، وأنه مقيد بغايته، ومن ذهب إلى أن العدول المصاحَب بفعل ضار، يوجب المسؤولية في التعويض، أثرًا لذلك الفعل غير المشروع -وهذه في الواقع مسؤولية تقصيرية- يشير إلى أنه أغفل المسؤولية التعسفية التي استقرت أصولها في التشريع الإسلامي، وكانت المصدر لنظرية التعسف التي أخذ بها القانون المدني السوري وأصله المصري (49) في الباب التمهيدي، وقد فرقنا بين المسؤوليتين، وإن إحداهما لا تغني عن الأخرى.
يتبع