فهرس الكتاب

الصفحة 6772 من 23694

يروى أن ابن المقفع سُئل لِمَ لا تقول الشعر؟ فقال: ما أريده لا يجيئني وما يجيئني لا أريده. أما محمد إقبال فكان يجيئه ما يريد، وما يجيئه هو الذي يقصده عن إيمان به للتعبير عن أسمى الأهداف. وإن من شعره ما فيه فيض من الجمال بعذوبة نغمه، أما روعة معانيه فهي تنعش وكأنها نسمات الفجر عند بزوغه.

وإذا كان من طبيعة الإنسان أنه لا يستطيع أن يحب لغيره أكثر مما يحب لنفسه، فإن محمد إقبال مثَلُه الشهيد من هذه الناحية كان يلهب ذهنه طول التفكير في حاضر الأمة ومستقبلها إلى أن واتته المنية وسيرته جديرة أن تعرف على نطاق واسع لأن فيها خير ما نحب أن نجده من العلماء والشعراء والذين بيدهم التوجيه التربوي.

وإذا كان من مقتضى ناموس النشوء والارتقاء أن يقضي بذهاب ما لا يصلح، وكان ما يصلح من أفكار قد تعترضه عوائق دون التسليم بفائدتها، فإن الأفكار التي أبداها محمد إقبال فيها كل ما يصلح، فيها ما نحن بحاجة لمعرفته والاستنارة بأنواره. أوضحت الأحداث ذلك، والسبب هو أنه انتشر بين كل شعب من الشعوب في شرقنا ما عبَّر عنه بقوله:

هي المدنية الحمقاء ألقت... بهم حول المذاهب حائرينا

لقد صنعت لهم صنم الملاهي ... لتحجب عنهم الحرم الأمينا

فكان من انتصار الغزو الفكري في كل شعب أن سادته نظرته الخاصة التي تتمشى مع غريزة حب الأثرة، فأضعف بوجودها النظرة الإنسانية الشاملة التي يعد من أكبر الدعاة إليها محمد إقبال. وذلك لترفعه عن الصغائر، ولوعيه التام بما فعله الغزو الفكري، وما فعلته الأهواء والشهوات والمطامع، وهي التي كانت معها الرعود القاصفة والزوابع المزلزلة، ونحن نجد صورتها في مآسي التمزق في لبنان، وفي فواجع العراق وإيران. ... بلا رفق بقيت بلا رفيق

لقد أشقى هؤلاء وأولئك أنهم نسوا ما توحيه الأخوة ومصلحة الجميع من جعل التعاون يرجح على كل اعتبار آخر، ولأن كلًا منهم يريد أن يُنْزِلِ أخُوهُ على حكمه. قال الشاعر:

وإن زل الرفيق وأنت ممن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت