ظلت الدراسات البلاغية ملتبسة بغيرها من ضروب القول حيث تؤخذ الفكرة البيانية أو البلاغية إلى عند هذا النص من النثر أو هذه المقطوعة من الشعر حتى قيض للبيان رجل عالم عاشق لعلمه، فاستقدم إلى أفكاره النصوص من القرآن والشعر الجاهلي وغير الجاهلي والأقوال والخطب وغير ذلك- مبررًا ذلك بقبول الإسلام النظر في ما هو موضع إشكال- ليبني أول مؤلفين في ما يصح أن نسميه (البلاغة العامة) وذلك في كتابيه الشهيرين:"دلائل الإعجاز"و"أسرار البلاغة"يشير إلى تحرره من عقدة الفصل بين كلام الخالق وكلام المخلوق. وظهر أنه غير متعصب لشيء أكثر من تعصبه للعلم الذي وضع"أسراره": البلاغة كعلم محور تدور بجاذبيته وبدورانه سائر النصوص المقتطفة من الكلاميين.
بعد الجرجاني، اتضح في المؤلفات الأدبية النقدية فرعان: فرع واصل النظر في علم البلاغة، مهتديًا بهدي صاحب"الأسرار"، وفرع واصل النظر والمضاهاة في المباحث الأولى: إعجاز القرآن، وتفسير الدواوين و"بديع الشعر"والنثر وسرقات الشعراء.
غير أن مؤلفات البلاغة، على خطى عبد القاهر، لم يسعها أن تفوق أستاذها مع أنها ناقشت مفاهيم من مفاهيمه ورأتها غير ما رآها، فبدلت في تعريفها، وبعضهم فرّع على أصول الجرجاني وفروعه. ثم تلا هذه المرحلة مرحلة التطويل والاختصار أو التلخيص والتنسيق ثم الشروح ومواقف مختلفة.
إلى أن كان النظر المعاصر في قضايا اللغة والأدب بقيام سور في التأسيس لعلم اللسانية فانحرفت الأنظار نحو الأسس التي جاء بها الرجل. وتفرعت الدراسات اللسانية تفرعًا غير تفرع دراساتنا النقدية ثم البلاغية. ولم ينفتح بعد مجرى دراسات التعبير بالكلام على آفاق دراساتنا البلاغية بمثل ما تستحقه. ولذلك ظلت علوم البلاغة والبيان العربي في حالتها الأولى دون أن يسمح التيار باستشراف آفاقها في ضرورتها منصة للانطلاق نحو الطور الثاني من علم البلاغة.