فهرس الكتاب

الصفحة 6623 من 23694

كان طلاب العلم يزحفون إليه من جميع البلدان لتلقي المعرفة على يديه، فكان حجة عصره، ومرجعًا لكل الحالات المرضية المستعصية. أذكر أن صبيًا يافعًا جاء يشكو اضطرابًا وخوفًا من حالته التي ساءت خلال سفره حتى بدأ يبصق دمًا. وقد عجز أطباء بغداد عن كشف مرضه، فعاينه الرازي بهدوء كبير، فلم يعثر على السبب، فطلب من الفتى أن يتريث ويصبر فحالته لا تشير إلى خطر، إذ ليس لديه التهاب رئوي أو سرطان وهنا تعالى صراخ المريض وانهمرت دموعه قائلًا:

إذا كان أمهر الأطباء عاجزًا عن معرفة ما بي فسلام علي واستمر أخي يقلِّب السبب فسأله: أي ماء شربت في رحلتك؟ أجاب الفتى: لقد شربت هنا وهناك من ماء الآبار والمستنقعات. قال الرازي: لا شك أنك ابتلعت علقة دموية تثبتت في أمعائك، ارجع غدًا لأجري لك العلاج المناسب.

وفي اليوم التالي حضر الفتى ومعدته فارغة بحسب توصية الطبيب، الذي طلب منه تناول (نبتة الطحلب) حتى ضاق ذرعًا بها. ثم أجرى له عملية القيء. لا عملية جراحية. فأخرج من أمعائه علقة دموية مفزعة. وتتابع خديجة (أخت الرازي) الحديث فتقول:

كثرت الشعوذة في معالجة الأطفال من مرض كان يودي بحياة الكثيرين، فعكف شقيقي على دراسة هذا المرض وحدد أوصافه بدقة وشخص مظاهره، وأشار إلى ضرورة الفحص الدقيق للقلب والنبض والتنفس والبراز، وإلى ارتفاع الحرارة المساعد على انتشار الطفح في الجسم بعد انتشاره خلف الأذن والفم فعالج هذا الداء المسمى (الحصبة) وألف كتابًا حوله، فأنقذ بذلك حياة الأطفال من السحرة والكاذبين، وكان أول المتحدثين عن (الجدري) في معالجة دقيقة بعيدة عن الأوهام.

ثم تتابع خديجة الحديث: كان شقيقي يكدّس وريقات في صندوق خاص، حكمت عليه بالتفاهة، لكنني بعد وفاته، أخرجت ما في الصندوق، فإذا محتواه يقع في ثلاثين جزءًا، أطلق عليه الأطباء (كتاب الحاوي) لأنه جمع فيه الأمراض، كما جمع في شخصه اختصاص الأطباء في كل مجال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت