أما من حيث اتباع المنهج العلمي في النشر فيجب أن نقرر أن الميل إلى ذلك أخذ في الازدياد لكنه لم يبلغ المأمول. والمهم أنه وضعت قواعد للنشر.
على أنه إلى جانب هذا الميل إلى اتباع المنهج العلمي وتحديده نجد خروجًا عن المنهج بعض الأحايين. وخاصة عند المبتدئين بالنشر، الذين وجدوا في نشر التراث العربي مجالًا للكسب السريع.
حتى لقد رأيت منهم من فتح لنفسه باب الاجتهاد وهو في أول الطريق. ولا يجرؤ على هذه الدعوى إلا من قضى عمره بين المخطوطات، وأفنى بصره في تقليبها وقراءتها ودراستها. وقدم للناس عشرات منها محققة منشورة.
ودفعت شهوة النشر عند بعضهم إلى نشر ما سبق نشره، لكن بأسوأ ما يكون حالًا. وأصيب التراث العربي أيضًا بتسلط بعض التجار والناشرين عليه. فقد أخذوا يعيدون نشر الكتب دون التقيد بمنهج علمي أو الاعتماد على مخطوطات جديدة، بل قنعوا بسرقة الطبعات الماضية وتحليتها بالأخطاء التي لا تعد ولا تحصى، وأغاروا على أعمال المستشرقين فأعادوا نشرها حرفيًا. مغفلين أسماءهم، مضيفين إليها التحريف والخطأ. وإذا تكرموا بذكر الأسماء لأولئك المستشرقين نسبوا إليهم الجهل وإلى عملهم النقص. وقد ظهر من هذه الطبعات، على نوعيها، كثير في بيروت أولًا ثم القاهرة. وما ظهر في بيروت في سبيل ابتزاز المال، سيكون وصمة في تاريخ الجهود التي بذلها لبنان للتراث العربي. ولو كان ثمة أقلام كثيرة تنقد هذا المطبوع وتبين الخطأ فيه لما أقدم الناشرون على الارتجال، ولا تجار الكتب على السرقة. ولكن النقد الذي نراه، على الأغلب، مدح أو تقريظ. ونقد المخطوطات لا يستقيم إلا إذا عارض الناقد المطبوع بالمخطوط. ورأى بنفسه مدى جودة عمل الناشر. أما النقد على الظن وعلى الترجيح، دون الرجوع إلى النصوص، فلا يقام له وزن. ونعتقد أن النقد البناء- لا الهدام- هو الذي يقوّم الإنتاج ويساعد الناشرين، ويزجر دور النشر.