وصف ماني الموسوس بأنه"من أشعر الناس"، في فترة عاصر خلالها شعراء كبارًا مثل البحتري، الحسين بن الضحاك، دعبل الخزاعي، ديك الجن الحمصي وغيرهم. والمقصود بهذا الوصف، بالطبع، الجانب النوعي من شعره وليس جانبه الكمي. فقد كان شاعرًا مطبوعًا يقول ما يخطر على ذهنه، من غير تدبر ولا تكلف، وهما أمران يقتضيان قصدًا محددًا وطول أناة وميلًا إلى استنفاد المعنى واستخدام المحسنات المتوارثة والمستجدة في فن الشعر. وتلك خصائص أكثر ما تكون في الشاعر المحترف. ولم يكن لدى شاعرنا من الاستعداد النفسي والطموح أو الرغبة ما يدفعه لأن يكون شيئًا من ذلك، رغم أنه كان يدرك تمامًا القيمة الفنية العالية التي يتميز بها شعره (20) . وقد انعكست حالته النفسية تلك على شعره شكلًا ومضمونًا. فلم يشتهر أو يقل شيئًا، كما يذكر الأصفهاني (21) مثلًا، إلا في الغزل. وكان شعره، في الغالب، بشكل مقطعات مستملحة قد لا يتجاوز فيها، أحيانًا، البيت أو البيتين، من الغزل اللين الرقيق، أو الثناء المتفرد العابر، على نعمة سلفت أو مجالسة سنحت على غير قصد أو تدبير. وقد بلغ شعره من رقة التصوير درجة تبدو معها مرئيات الشاعر وكأنها تكاد تذوب وتتلاشى في خيال القارئ، مثل قوله:
ها أنا ذا يسقطني للبلى
لو يحسد السلك على دقة ... حيًا لأمسى بعض حسادي
بل وأكثر من ذلك: ... لا تبصر العين له فيَّا
غابوا فأضحى بدني بعدهم
وشعره يزخر بمثل هذه الإشارات، التي يقول عنها ابن رشيق أنها"من غرائب الشعر وملحه، وبلاغته عجيبة، تدل على بعد المرمى وفرط المقدرة، وليس يأتي بها إلا الشاعر المبرز، والحاذق الماهر..." (22) . ... تغنيك عن سلِّ السيوفِ
من ذلك ما جاء كناية عن الشجاعة، كقوله:
كرَّات عينك في العِدا
وقوله، كناية عن رقة أنامل الحبيب: ... لجرت أنامله كجري الماءِ
لو صافح الماء القراحَ بكفِّه
ومن تلك التشبيهات، الرمز، كقوله: ... كأنَّ لثاته علَّت بدبقِ
ترى ما أخفتا شفتاهُ نحوي