ولم يكن يعني الرواة والمحدثين من أمر هذا الشاعر وغيره ممن وصفوا بالوسوسة والجنون والحمق من الشعراء الخارجين على مألوف الناس، سوى الشعر المقترن بالنادرة والموقف المضحك، يتحدثون به أو ينقلونه إلى خليفة أو أمير أو وزير ليزدادوا به حظوة لديه وينالوا جائزة أكبر.
وهكذا اختلطت أخبار مثل هؤلاء الشعراء وأشعارهم بعضها ببعض، وتعددت رواياتها واختلفت بتعدد الراوين واختلاف الأزمنة والأمكنة، فنسب لبعضهم ما لم يقله أصلًا أو ما قاله غيره، وحرِّفت الأشعار بحيث تتفق والرواية التي أحسن الراوي صياغتها وأعدها وفقًا للغرض المقصود.
وكان بعض الرواة يجد حرجًا، كما يبدو، في ذكر اسم قائل الشعر فيغفله في مؤلفه، أو أنه يتحدث عنه للآخرين ولكنه يتحاشى ذكره في مؤلفاته. وهذا ما لاحظته لدى أبي العباس محمد بن يزيد المعروف بالمبرد، الذي تروى عنه أحاديث كثيرة عن ماني الموسوس وأشعاره، وكان معاصرًا له، في كتب كالأغاني والعقد الفريد، ولكنه لا ينبس ببنت شفة عنه في مؤلفه الجامع (الكامل في اللغة والأدب) ، على سبيل المثال!
وهناك الكثير من الأشعار والحكايات المنسوبة لمجانين صادفهم المبرد وغيره، من غير أن يذكر اسم قائلها أو نسبت إلى"آخر"و"بعضهم"وما شاكل ذلك، يجد المرء فيها مزاج ماني وطابعه الشعري، ولكن لا يمكن الجزم في أمر قائلها للتشابه الكبير بين أمزجة هذه الفئة من الناس والسمات الفنية لأشعارهم.
اسمه وشهرته:
هو محمد بن القاسم، وكنيته أبو الحسن، المصري (1) . وهذا ما أجمعت عليه الروايات في المصادر المتوفرة، التي تقف جميعًا عند اسم أبيه، لا تتجاوزه إلى ما يلقي ضوءًا على نسبه وأسرته والمدينة التي قدم منها في مصر.