"وهكذا أدار علم اللغة ظهره للدراسات المقارنة التاريخية، وأكد إمكان إخضاع كل حالة من اللغة إلى دراسة سكونية متزامنة بغض النظر عن التطور الذي تعد هذه الحالة امتدادًا له؛ وبناء على هذا المفهوم طرح سوسور التمييز بين"التطورية"التي هي دراسة التغيرات عبر الزمن، و"التزامن"الذي هو دراسة حالات محدودة من اللغة في فترة محدودة من التطور. فانقسم علم اللغة إلى فرعين: علم لغة تعاقبي أو تطوري (Une linguistique diachronique ou evolutive) وعلم لغة تزامني أو سكوني (Une linguistique synchronique ou statique) وتنضم الطريقتان التزامنية والتعاقبية موضحة إحداهما الأخرى" (9) وينطبق هذا التقسيم السوسوري على اختصاص ابن جني بالدراسة التطورية للغة، واختصاص الإمام الجرجاني بالدراسة التزامنية لها في دلائل الإعجاز. وتنضم الدراستان في مدرسة واحدة يطلق عليها اسم مدرسة أبي علي الفارسي.
لماذا علم اللغة العام؟ وما مدى إسهام ابن جني فيه ما دام عمله لا يتعدى حدود اللغة العربية؟
"إذا كان هناك علم لغة عام فلأنه يمكن صياغة مبادئ تنطبق انطباقًا عامًا على وظيفة اللغات وتطورها وعملها؛ وهذا هو مفهوم علم اللغة العام أو الكلي (Panchronique) مقابل علم اللغة الخاص (Idiochronique) الذي هو دراسة سكونية أو تطورية للغات خاصة" (10) .
"ويرتبط علم اللغة العام بعلم اللغة الخاص بلغة ما، كالعربية، لأنه يقوم على ما هو عام ومشترك بين اللغات جميعها؛ كما أن علم اللغة الخاص يستفيد بدوره من النتائج التي يتوصل إليها علم اللغة العام بتطبيقها على اللغة التي يختص بدراستها" (11) .
"ولذلك فإن لعلم اللغة العام في المرحلة الأولى، قبل مرحلة البحث عن القوانين العامة مهمة وصفية؛ فمن مجموع الدراسات الخاصة المنفذة على اللغات المختلفة تستخلص تعليمات ذات طابع عام عن نماذج الأنظمة المتحققة في اللغات" (12) .
ترتبط الخصائص العامة للغة بحقيقتين كبيرتين: