ويعقب الدكتور بدوي على هذا الكلام قائلًا:"وقد رددت عليه بعد إلقائه بحثه في مؤتمر المستشرقين، فقلت له أنه توجد نسخة مخطوطة من كتاب"مشكاة الأنوار"في المجموعة رقم 1712 بمكتبة شهيد علي باشا باستنبول، وهذا المجموع تاريخ كتابته سنة تسع وخمسمائة بخط وملك عبد المجيد بن الفضل الفزاري الطبري، ومنه صورة شمسية في دار الكتب المصرية برقم 3662 تصوف، أي بعد وفاة الغزالي بأربع سنوات، وفيه الفصل الثالث هذا. وهذه حجة قاطعة تقضي على دعواه، إذ لا سبيل إلى الشك في صحة تاريخ هذه المخطوطة فضلًا عن أن جميع الفلاسفة المسلمين تأثروا بالأفلاطونية المحدثة، سواءًا علموا ذلك أم لم يعلموه، ولا حاجة بعد هذا إلى تدليل آخر مأخوذ من مضمون هذا الفصل، فضلًا عن أن الغزالي نفسه أشار إلى هذا الفصل في مقدمة"المشكاة" (11) ."
أما وقد ثبتت صحة نسبة كتاب"المشكاة"كاملًا إلى الغزالي، فيجدر بنا أن نعيد النظر في ترتيبه بالنسبة إلى"المنقذ". وفي هذه الحال، نجد أن غالبية الدارسين وضعوا"المنقذ"بعد"المشكاة"، وأن من خالفوا ذلك، وصفوهما في فترة واحدة، تارة بتقديم"المنقذ"وأخرى بتقديم"المشكاة"ترتيبًا. وهذا يجعلنا نميل إلى جعل"المنقذ"متأخرًا عن"المشكاة"، ويهبنا الحق في أن نرى ما ورد فيه معبرًا عن رأي الغزالي النهائي.
يمكننا أن نعد مسألة الشك واليقين هي المسألة الأساسية في أزمة الغزالي الروحية، وأن نرى في الوجه الذي حلها الغزالي عليه، الوجه الحقيقي للغزالي.
وهنا نجد نوعًا من الشك، مخالفًا لشك الريبيين اليونانيين، انتهى صاحبه منه، بإحلال النقل محل العقل، وجعل الله مرجع الحقيقة بدلًا من الإنسان.