وتفصيل ذلك، أن القرآن العظيم، إذ يبث في المجاهدين روح البشرى والترجية، نصرًا، أو استشهادًا، وظفرًا بنعيم الآخرة- وهي خير وأبقى- تراه- في الوقت نفسه- يقرن ذلك، بإيقاظ"الوعي"في النفس الإنسانية، وتبصيرها، بحقائق الحياة، وسنن الوجود، وآثارها الحتمية، بجعل الله تعالى، فتراه- على سبيل المثال- يبشر بالنصر المبين، على أنه"وعد منه تعالى لعباده المؤمنين المجاهدين الصادقين في جهادهم، بل هو"حق"قد قطعه الله تعالى، وأوجبه على ذاته العلية: (وكان حقًا علينا نصر المؤمنين( وبقوله جل ثناؤه: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم( فقد جعل النصر المبين على الأعداء، معقودًا بنصر شرائعه، ومبادئه، وسننه في الوجود، عملًا، والتزامًا وأداء، عقد الشرط بالجزاء، كيلا يستبد بأنفسهم الوهم، أو يخالجها خدر الأماني، أو تستغرقها غفلة أو عماية عن مكونات الواقع، فتسبح في متاهات من الأخيلة والتصورات، أو تستأثر بها منازع الهوى والأثرة، إسرافًا في المادة والشهوة وحب الذات، فتتحرف عن معدلة الطريق، وعما تقتضيه حقائق القيم، عمدًا، أو جحدًا ظاهرًا مع استيقان النفس الإنسانية بحقيّتها، وسمو مضمونها، وبالغ أثرها، مكابرة وافتئاتًا، لقوله عز وجل: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، ظلمًا وعلوًا (( 37) انسياقًا وراء منازع الأهواء، أيًا كانت صورة الهوى التي نزعت إليها، من العصبية، أو العنصرية، أو الطائفية، أو حب الهيمنة والاستعلاء على الشعوب المستضعفة المقهورة في بلادها، انتهابًا لخيراتها، وثرواتها، تجد هذا بيِّنًا في مثل قوله عز شأنه: (قد جاءكم بصائر من ربكم، فمن أبصر فلنفسه، ومن عمي فعليها (( 38) وقوله تعالى: (هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (( 39) ومن تلك البصائر ما ينتظم الوجود الإنساني من سنن هي عين السنن التي انتظمت الأمم الخالية، قدرًا مقدورًا، من نشأة الخلق الأول، مصداقًا لقوله عز وجل: (سنة الله في الذين خلوا من"