ولما تحاور أبو الريحان البيروني وابن سينا جاء في السؤال الرابع الذي سأله البيروني ابن سينا في الرد على المعلم الأول:"لم استشنع أرسطوطاليس قول القائلين بالجزء الذي لا يتجزأ؟"وقد شعر البيروني بالصعوبة التي تكمن في القول بالجزء ولكنه وجد صعوبات أكثر في القول المقابل فأشار إلى أن"القول بأن الجسم يتجزأ إلى ما لا نهاية أشنع."ثم يسأل كيف التخلص من حرج كلا الموقفين. ويجيب ابن سينا أن أرسطو إنما أراد الانقسام بالقوة ولكن البيروني يُلزمه إذ ذاك بمشكلة أن لو قسمت الأبعاد انقسامًا غير متناهٍ لوجب أن يساوي قطر المربع أحد أضلاعه لأن كليهما ينقسم إلى ما لا نهاية. ويبدو من هذا أن النظرية تجاوزت الميدان الديني وغدت قضية مطروحة في الفلسفة الطبيعية عند مختلف المفكرين من ممثلي الفلسفة المشائية ومن المستقلين البارزين أمثال البيروني وهبة الله أبي البركات البغدادي ومن علماء الدين أمثال فخر الدين الرازي. وقد عرض هذا المفكر العلامة فخر الدين في كتابه"المباحث المشرقية"مختلف المذاهب في هذا الشأن مع براهين كل فئة على مذهبها بحيث تتجلى صعوبة كلا الموقفين وحرجهما. وورث العلم والفلسفة هذه المشكلة في العصور الحديثة وتوزَّعها الباحثون على اختلاف مذاهبهم فلاسفة وفيزيائيين وكيميائيين. ولا يمكن في هذا العرض السريع جلاء تلك المذاهب. ولكن لا بد من الإلماع ببعضها ثم تحقيق ما أفضى إليه العلم في هذا الشأن. يذكر الفيلسوف الانكليزي برتراندرسل في كتابه portraits from memory and other essays الذي ترجمه أحمد إبراهيم الشريف بعنوان"العقل والمادة"وراجعه الدكتور زكي نجيب محمود مثلًا عجيبًا على الاستغراق في الفلسفة وهو لقاؤه للفيلسوف اليوغسلافي برانسلاف بترونييفك سنة 1917 وانهماك هذا الفيلسوف في مشكلة الجزء والذرة منصرفًا عن الأحداث الخطيرة الجارية.