فهرس الكتاب

الصفحة 614 من 23694

قال ابن يعيش في شرح المفصّل (8/51) :"وهذا الحذف، وإن كان ليس بقياس، ولكن لا بد من قبوله لأنك إنما تنطق وتحتذي في جميع ذلك أمثلتهم، ولا تقيس عليه". ذلك أن العرب قد نطقت بطائفة من الأفعال متعدية بنفسها وبالحرف فاعتد الأئمة أن الأصل فيها غالبًا أن تتعدى بالحرف. أما تعديها بنفسها فقد جاء على الاتساع بحذف حرف الجر وإيصال الفعل إلى مفعوله. وقد ذكر ابن السكّيت من ذلك مثلًا (شكرتك وشكرت لك ونصحتك ونصحت لك ومكّنتك ومكنت لك واشتقتك واشتقت إليك) وقد حكاه ابن سيده في المخصص، ونص على أن هذا سماع لا وجه فيه لقياس. وقد كثر ما جاء من ذلك على (فَعِل يفعَل) فقالوا: (أمنه وأمن منه، وخافه وخاف منه، وخشيه وخشي منه، وأنفه وأنف منه..) ، فأراد الدكتور مصطفى جواد عضو المجمع العراقي في كتابه (المباحث اللغوية) أن يجعل من ذلك قياسًا فقال: (ومنها- أي من ضوابط التعدية- جواز تعدّي فَعِل يفعَل، إذا كان لغير العيوب والعاهات بنفسه وبحرف الجر مثل أمنه وأمن منه وخافه وخاف منه..) . أقول إن ما ذهب إليه الأستاذ جواد لا يطّرد ولا يغلب، فإذا طرحت العيوب والعاهات الظاهرة من معاني الباب الرابع أي باب (فعِل يفعَل) فقد بقي منه ما كان للأعراض الباطنة من الألم والهيج والخفة وسواها. وهي تشمل ما دلّ على فرح أو حزن وما يجري مجراهما، نحو وجِل ونكِد وشكِس وخزِي وغضِب وحمِش وقلِق وحار وأشِر.. وكلها لازمة لا تتعدى بنفسها. فوضح بهذا أن لا محل ها هنا لقياس في جواز تعدي فعِل يفعَل، ولو كان لغير العيوب والعاهات الظاهرة بل نبّه الإمام الرضيّ فيما جاء من هذا الباب على أمرين:

الأول: أن أكثر أفعاله لازم. قال الرضي (اعلم أن فَعِل يفعَل لازمه أكثر من متعديه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت