رأينا آنفًا، كيف أن العلامة ابن خلدون، في مقدمته (21) ، قد ربط جدارة الإنسان بالسياسة والحكم، بإنسانيته، أو بمقتضى"خيريته"و"منطقيته"وقوته العقلية النافذة، أو بغلبة جانب الخير فيه، أثرًا لما أوتي -في فطرة تكوينه - من الملكات العليا التي من شأنها أن تهيمن بطبيعتها، على"غرائزه السليقية الدنيا"ذلكم هو الأصل الخلدوني الذي انبثقت منه"جدارة الإنسان بالسياسة والحكم، أو على حد تعبيره"السياسة والملك"."
ورأينا كذلك، أن"هوبز"-ومن معه- يقيم"السياسة"على أساس"الطبيعة الشريرة في الإنسان"وأن هذه -في زعمهم- هي أصل فطرته التي جبل عليها، ومن هنا، ساغ"لميكيافيلي"أن يجعل الحاكم الأعلى- إذا أراد أن يستقيم حكمه، ويستمر، ويسوس شعبه سياسية تُخضعه لامرته المطلقة، وتكفل له البقاء في"سدة الحكم""قويًا جدًا، يبطش، أو"ثعلبًا"ماكرًا، أي أن يتدنى من سموِّ إنسانيته، إلى حضيض هذه الصفة التي هي قائمة في"الثعلب"لاتنفك بحكم خِلقتهِ، وأن يكون -في الوقت نفسه- شرسًا، وحشًا، يصدر عن خليقة القسوة، إذا اقتضت الظروف، وكان في مُكنتهِ ذلك."
على أن هذه"السياسة"يمارسها الحاكم الأعلى لا بالنسبة إلى الأعداء وحسب، بل بالنسبة إلى شعبه هو، ورعاياه، يسومهم الشدة، والغلظة، والقسوة، بما هو كفاءٌ لاخضاعهم لسلطانه الذي ينبغي ألاّ يُقهر، ولحكمه الذي لا يُرد، وتشريعه الذي يشرّعُه هو، أو يلغيه، وفق رغبته ومشيئته، لا يناقش فيه نظريًا، ولا يراقب إبَّان تطبيقه له عمليًا، بل هو غير ملتزم به أصلًا -كما أسلفنا- فكان أشبه"بإله صغير"لا يُسأل عمَّا يفعل، وهم يُسألون!! ولا نجد معنى للطغيان، أو الطاغوت، أدق من هذا المعنى، وأوفى (22) !!