ب-مردُّ تمييز"الفلسفة السياسية الوضعية بين"الفضائل الخلقية"وبين ما تطلق عليه اصطلاح"الفضائل السياسية"على النحو الذي نراه لدى ميكيافيلي في كتابه"الأمير"-صدى لفصله"القيم الإنسانية والدين جملة، عن السياسة، فصلًا تامًا، وحاسمًا -كما أشرنا- أقول: مرد هذا التمييز أن"الغاية"المتوخاة من هذه"الفضائل السياسية"تحتم اعتبارها، وإيثارها على تلك، بل قد تستوجب هذه الفضائل السياسية -في نظر ميكافيلي ومن معه -اتخاذ أساليب موغلة في الوحشية والبربرية عند الاقتضاء، لأنها هي التي تتفق- في الواقع- وطبيعة السياسة، من حيث هي"فنٌ"واقعيٌ قائم بذاته ليس من مصالحها، وغاياتها، الدين وتعاليمه، ومثله، وفضائله، لتباينهما، طبيعة وهدفًا، فلا مجال إذن للفضائل الأخلاقية، والقيم الإنسانية، وتعاليم الدين، على الصعيد السياسي!!!
على أن تلك القيم، والمثل العليا، وفضائل الدين، وتعاليمه السامية -في نظر هؤلاء الفلاسفة السياسيين، وفي مقدمتهم ميكيافيلي -لا تعرى عن نوع فائدة مرجوة في بعض الظروف، إذ يمكن أن يكون لها دور في المجال السياسي، ولكن في حالات نادرة، وذلك حين يمكن اتخاذها، على أساس أنها مجرد وسيلة تقتضيها"الضرورة"وعلى سبيل الاستثناء، وحسب، لا على أنها"أصل مقصود لذاته"حال السَّعةِ والاختيار، أو بعبارة أخرى، إنها تمارس لا على أساس أنها عنصر جوهري في مفهوم السياسة، أو غاية قصوى من غاياته.
وبدهيٌّ، أنه إذا اختلف الأمران، أو تباينا، مفهومًا، وطبيعة، وهدفًا، اختلفا وسيلة، وذرائع، إذ الوسيلة تأخذ حكم غايتها، بل الغاية هي التي تبرر الوسيلة، وتتحكم في تكييفها، أيًا كانت طبيعتها الأصلية.
حـ-العدل الدولي- في نظر رواد الفكر السياسي الحديث، والمعاصر -أصلٌ عتيد، ولكن مؤداه: أن"الحق للأقوى"لا للأعدل بالمفهوم الخُلُقي، والديني، والفطري.
وترتب على هذا الأصل أمور ثلاثة: