وأما الرياضيات أو الرياضة أو العلم الرياضي فقد تطور تعريفها واختلفت ملامحها في خلال العصور وما زالت على رغم طعنها في السن فتاة لعوبًا عروبًا تغازل العلوم فتحفزها على النشاط والتقدم وتيسر تطبيقات عجيبة. وقد جاء في التراث العربي (3) إنها علم بأحوال ما يفتقر في الوجود الخارجي دون التعقل إلى المادة كالتربيع والتثليث والتدوير والكروية والمخروطية والعدد وخواصه.
وتسمى أيضًا بالعلم التعليمي وبالعلم الأوسط وبالحكمة الوسطى. وقد ورد في رسائل إخوان الصفا أن علم العدد جذر العلوم وعنصر الحكمة ومبدأ المعارف وأسطقس المعاني (4) . وإلى علم العدد ينضاف علم الهندسة وعلم النجوم والموسيقى والنسب العددية وغيرها. لقد خلّفت الرياضيات منذ القدم علومًا ذكورًا وإناثًا كثيرة.. إنها بالتعبير العربي القديم أم ضانئٌ ناتق أي كثيرة الأولاد.
تهمنا في حديثنا الرياضيات وحدها وإن كان لا بد من الرجوع في الحين تلو الحين إلى شيء من الفلسفة وإلى نصيب ولو نزرًا من المنطق. لا بد من الرجوع إلى الأبوين الكريمين إذ بهذا الرجوع إلى الأصل يقوى الفرع ويزدهر.
يتألف الفكر الرياضي من المحاكمة القائمة على البرهان ذي الصفة الضرورية ومن الأشياء التي تجري عليها المحاكمة.
هنالك إذن في أصل الرياضيات المحاكمة الصرف والأشياء في أشكالها الأولى التي كانت عبارة عن الأعداد الصحيحة وبعض الأشكال الهندسية البسيطة وكان علم العدد أي الحساب وعلم الأشكال أي الهندسة لا يكادان يفصلان فعل المحاكمة عن موضوعات المحاكمة. هكذا كان الأمر عند الرياضيين اليونان الأوائل، وأبرزهم الفيثاغوريون ثم استطاع المفكرون بعدما يقرب من مائة عام تقريبًا أن يتناولوا بالفحص التصورات الكلية منفكة عن التعينات الحسية ولكن هذا الانفكاك جرى خارجًا عن نطاق العلم الرياضي. جرى على يد أرسطو المعلم الأول حين أنشأ وليدًا للمنطق العام هو المنطق الصوري القائم على المحاكمة الصرف.