ويقول بعض المؤرخين إن جميع سكان ماري قتلوا أو أسروا واقتيدوا إلى أماكن أخرى، واختفت سلالة زيمر يليم آخر ملوك ماري، ولم يسمع عن أحد من سلالته يطالب بالعرش، ووصفت بأنها (مدينة محرمة) وأنها هبطت إلى الجحيم.
هذه الكارثة التي حلت بماري عام 1850 قبل الميلاد محتها من الوجود من حيث أنها مدينة مرموقة ذات حضارة أصيلة من حضارات الفرات الأوسط في العالم القديم، ولم تنهض (ماري) بعد هذه الكارثة، بل سادها الصمت المطبق، ولجأ الناجون منها إلى (حانة) على بعد مائة كيلومتر منها.
وفي عام 1650 قبل الميلاد مر بها الحثيون خلال هجومهم الخاطف بزعامة مورشيليس على بابل، ولكنها هبطت إلى مرتبة قرية صغيرة جدًا عدة قرون، وعندما مر بها المكدونيون في القرون الأخيرة التي سبقت الميلاد لم تلفت أنظارهم بدليل أنهم أنشؤوا مدينة جديدة على الطراز الهلنستي على بعد يقل عن أربعين كيلومترًا منها على شاطئ الفرات نفسه وهي (دورا أوروبوس) في الصالحية. ولكن ماري لم تخل من الاستيطان السلوقي الذي ترك لنا بعض المنشآت والزخارف.
ولم تستيقظ ماري من سباتها الطويل إلا في الثلث الثاني من القرن العشرين. وذلك على يد المنقبين الأثريين وعلماء اللغات السامية الذين أماطوا اللثام عن تراثها الحضاري الضخم، وألقوا أضواء ساطعة على إنجازاتها السياسية والاجتماعية والفكرية والهندسية، وبذلك أتيح للعالم معرفة دنيا سحرية ترفل بالجهد والإبداع والقدرة، وتضيء مساحة مهمة من مسيرة الإنسان العربي في فجر التاريخ.
والجديد في ماري أن البعثة الفرنسية للتنقيب استأنفت حفائرها في العام الماضي برئاسة السيد بروغران بعد أن تقاعد الأستاذ أندريه بارو بسبب السن. وكان العمل قد توقف في تل حريري منذ ثماني سنوات، وستقوم البعثة بموسمها التالي في أيلول القادم والأمل كبير باكتشاف المزيد من الوثائق والمعالم والعناصر الأثرية.
من المصادر:-
مجلة الحوليات الأثرية العربية السورية.