مما شهر به مؤلف المنقذ تناوله لنظرية المعرفة وقضية الشك والبحث عن اليقين وطريق الوصول إليه. ذلك أن المطلوب عنده كما يقول هو"العلم بحقائق الأمور فلابد من طلب حقيقة العلم ما هي؟ فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم ولا يتسع القلب لتقدير ذلك بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنًا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلًا من يقلب الحجر ذهبًا والعصا ثعبانًا لم يورث لك شكًا وإنكارًا". ولما أعلن المؤلف هذا المعيار في التماس اليقين راح يبحث في أنواع علومه بالتدريج فابتدأ بالمعارف الجلية وهي الحسيات والضروريات فانتهى به طول التشكيك إلى رفض التسليم بالحسيات ما دامت الحواس تقارف الوهم والخطأ كرؤية الظل واقفًا وهو متحرك ورؤية الكوكب صغيرًا والأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار. ولما بطلت الثقة بالمحسوسات التمسها في العقليات التي هي من الأوليات كقولنا العشرة أكثر من الثلاثة والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد والشيء الواحد لا يكون حادثًا قديمًا، موجودًا معدومًا، واجبًا محالًا. أي اعتمد الأوليتين الكل أكبر من الجزء ومبدأ عدم التناقض. ولكنه لا يلبث أن تناديه المحسوسات: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات، وقد كنت واثقًا بي فجاء حاكم العقل فكذبني؟ ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي. فلعل وراء إدراك العقل حاكمًا آخر إذا تجلى كذّب العقل في حكمه كما تجلى حاكم العقل فكذب الحسّ في حكمه. وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالته.