هذا ولما عاد إلى وطنه طوس واقبل على التصنيف ونشر العلم مع الاعتزال والخلوة حضر إليه فخْرُ الملك بن نظام الملك الذي كان وزيرًا في نيسابور لسنجر حاكم خراسان والح عليه في الذهاب إلى نيسابور فذهب ودرّس في نظاميتها وكان يرجو أن يكون المقصود بعد أن كتب إحياءه في أحد من جاء خبرهم في الحديث الشريف:"إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها". والغالب على الظن أنه ظل يدرس حتى مقتل فخر الملك في العاشر من المحرم سنة خمسمائة كما قتل أبوه نظام الملك من قبله في سنة 485.
هذا وإن رجوعه إلى التعليم في نيسابور كان في حال غير الحال الأولى التي كان عليها في بغداد فهو يقول:"وأنا أعلم أني وإن رجعت إلى نشر العلم فما رجعت. فإن الرجوع عود إلى ما كان. وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي به يكسب الجاه وأدعو إليه بقولي وعملي وكان ذلك قصدي ونيتي. وأما الآن فادعو إلى العلم الذي به يترك الجاه ويعرف به سقوط رتبة الجاه. هذا هو الآن نيتي وقصدي وأمنيتي. يعلم الله ذلك مني وأنا أبغي أن أصلح نفسي وغيري. ولست أدري أأصل إلى مرادي أم أخترم دون غرضي. ولكني أؤمن إيمان يقين ومشاهدة أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وأني لم أتحرك لكنه حركني وأني لم أعمل لكنه استعملني. فأسأله أن يصلحني أولًا ثم يصلح بي ويهديني ثم يهدي بي غيري وأن يريني الحق حقًا ويرزقني اتباعه ويريني الباطل باطلًا ويرزقني اجتنابه".