ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة وكان والده يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس، كما سلف آنفًا. فلما حضرته الوفاة وصّى به وبأخيه أحمد إلى صديق له متصوف من أهل الخير وقال له: إن لي لتأسفًا عظيمًا على تعلم الخط وأشتهي استدراك ما فاتني في ولديّ هذين فعلّمهما ولا عليك أن تنفد في ذلك جميع ما أخلّفه لهما. هذا ما يعلي شأن هذا الوالد الطيب الحريص على تربية ولديه وتعليمهما. فلما مات أقبل الصوفي على تعليمهما إلى أن فني ذلك النزر اليسير الذي خلفه لهما أبوهما وتعذر على الصوفي القيام بقوتهما. فقال لهما: اعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما. وأنا رجل من الفقر والتجريد بحيث لا مال لي فأواسيكما.. وأصلح ما أرى لكما أن تلجأا إلى مدرسة كأنكما من طلبة العلم فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما ففعلا ذلك. وكان هو السبب في سعادتهما وعلو درجتهما. وكان الغزالي يحكي هذا ويقول: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله"."
وهنا نريد أن نعلق على هذه النكتة. فكثيرًا ما نسمع بتشرد الأحداث وجنوحهم بسبب الفقر. وهذا ما لا مرية فيه. ولكننا نقول: قد يكون الفقر حافزًا على العلم والجهد والتقدم إذا كانت البيئة الاجتماعية صالحة والمواهب متوافرة. نستطيع أن نعد الفقر بمنزلة التحدي للفرد وللمجتمع فهو من العوامل المؤثرة باتجاهين متقابلين. كذلك نشير إلى أن المدارس في الحضارة العربية الإسلامية كانت مجانية بل كانت تنفق على طلبتها نفقات مناسبة. ويحكى أيضًا"أن أباه كان فقيرًا صالحًا لا يأكل إلا من كسب يده في عمل غزل الصوف. ويطوف على المتفقهة ويجالسهم ويتوفر على خدمتهم ويجدّ في الإحسان إليهم والنفقة بما يمكنه وأنه كان إذا سمع كلامهم بكى وتضرع وسأل الله أن يرزقه ابنًا ويجعله فقيهًا ويحضر مجالس الوعظ، فإذا طاب وقته بكى وسأل الله أن يرزقه ابنًا واعظًا. فاستجاب الله دعوتيه."