وكان على رأس المائة السادسة سلطان العلماء أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام (المتوفى سنة 660هـ، 1262م) وكانت ولادته ونشأته بدمشق، وقد تولى الخطابة في الجامع الأموي، ولما سلم الصالح إسماعيل بن العادل قلعة صفد للفرنج اختيارًا، أنكر عليه ابن عبد السلام ذلك الأمر، وترك الدعاء له في خطبة الجمعة، فغضب عليه وحبسه، ثم أطلق سراحه، سافر إلى مصر، فولاه ملكها الصالح نجم الدين أيوب القضاء والخطابة، وكان من أمثال المصريين:"ما أنت إلا من العوام، ولو كنت ابن عبد السلام".
قال الذهبي في العبر:"انتهت إليه معرفة المذهب مع الزهد والورع، وبلغ رتبة الاجتهاد" (17) .
وقال ابن كثير في تاريخه:"انتهت إليه رياسة المذهب، وقصد بالفتاوى من الآفاق، ثم كان في آخر عمره لا يتقيد بمذهب، بل اتسع نطاقه، وأفتى بما أدى إليه اجتهاده" (18) .
وقال تلميذه ابن دقيق العيد:"كان ابن عبد السلام أحد سلاطين العلماء" (19) .
وكان على رأس المائة السابعة ابن دقيق العيد، وهو أبو الفتح بن مجد الدين علي بن وهب بن مطيع القشيري القوصي (المتوفى سنة 702هـ، 1202م) والمعروف عنه أنه"نشأ بقوص وتفقه بها، ثم رحل إلى مصر والشام، وسمع الكثير، وأخذ من الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وحقق العلوم، ووصل إلى درجة الاجتهاد، وانتهت إليه رياسة العلم في زمانه، وشدت إليه الرحال" (20) .
ذكر أنه كان مقدمًا وبارعًا في معرفة علل الحديث، وكان حسن الاستنباط للأحكام والمعاني من السنة والكتاب، ومبرزًا في العلوم النقلية والعقلية.
أجمع معاصروه على أنه الإمام المبعوث في المائة السابعة، قال الشيخ تاج الدين السبكي: ولم أر أحدًا من أشياخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس المائة السابعة، المشار إليه في الحديث، فإنه أستاذ زمانه علمًا ودينًا" (21) ."