وكان على رأس المائة الثانية الإمام المجتهد أبو عبد الله الشافعي بإجماع آراء العلماء. ولد بغزة سنة خمسين ومائة، وحمل إلى مكة، وهو ابن سنتين، فحفظ القرآن، وهو ابن سبع سنين، والموطأ وهو ابن عشرة وتفقه على مسلم مفتي مكة، وأذن له في الإفتاء وهو في الخامسة عشرة، ثم لازم مالكًا في المدينة مدة من الزمن.
برع في الفقه والحديث والأدب والرمي، وكان ورعًا تقيًا، عرف عنه أنه كان يختم القرآن ستين مرة في شهر رمضان. قصد مصر سنة 199 هـ وتوفي بها.
قال يونس بن عبد الأعلى:"لو جمعت أمة لوسعهم عقل الشافعي" (11) ، وتحدث عنه أبو ثور، فقال:"ما رأيت مثل الشافعي، ولا رأى هو مثل نفسه" (12) . ومما يؤكد إعجابه بنفسه قول المبرد:"دخل رجل على الشافعي، فقال: إن أصحاب أبي حنيفة لفصحاء، فأنشأ الشافعي يقول (13) :"
فلولا الشعر بالعلماء يزري
لكنت اليوم أشعر من لبيد
وأشجع في الوغى من كل ليث
وآل مهلب وأبي يزيد
ولولا خشية الرحمن ربي
حسبت الناس كلهم عبيدي
وتحدث المترجمون عن أحواله واجتهاده وتفرده في كثير من أمور الدين، فلا نستغرب قول الإمام أحمد بن حنبل:"ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي في رقبته منة" (14) . كما ذكر ابن الربيع أنه أفتى وله خمس عشرة سنة، وكان يقيم الليل ويحييه تهجدًا وعبادة وتلاوة حتى أدركته منيته.
ولم يكن ليقتصر من دنياه على ما ذكر، فالمعروف عنه أنه كان أحذق قريش في الرمي يصيب من العشرة عشرة، وقد برع في ذلك أولًا، كما برع في معرفة الشعر واللغة وأيام العرب، وخلف لنا تصانيف كثيرة، ولسنا هنا في صدد تعدادها وبيان ما فيها.