هذا، وإنما قلت إنها"مَلَكَة مُدركة"، مكسوبة، لأنها وليدة الاستقامة في التفهم والإدراك الدقيق، والتنفيذ العملي المخلص الأمين، والاعتقاد بأحقية كل أولئك ، وهو ما يطلق عليه"التقوى"تلك"الملكة"، التي غدت قوة هي ثمرة ذلك الامتزاج، والعمل، مضافة إلى قوى النفس الإنسانية، تتكوَّن وتتخلَّق وتستوي على سوقها، ظهيرًا للملكات الفطرية، وفي مقدمتها"العقل"أو هي ـ كما يقول بعض العلماء (17) ـ عقل ثان يشدُّ من أزر العقل الفطري الأول، ويسدد خُطاه، ويَبْسُط سُؤدَدَهُ على منازع الأهواء، باعتباره قوة روحية مدركة، ـ كما أسلفنا ـ فتؤثر بالتالي تأثيرًا فعالًا في توجيه الإرادة، لتنطلق في عزم وتصميم، إلى تنفيذ أحكام العقل الأول الذي استرشد بنور الوحي وسار في هديه، بما تتغلب تلك القوة الروحية المدركة المميزة على منازع الهوى في النفس الإنسانية، أو تُضعِفُ ـ على الأقل ـ من أثرها في إحباط أحكام العقل الإنساني، وهو ما أشار إليه الإمام الشاطبي في قوله:"ما جاءت الشريعة إلا لتخرج الناس عن دواعي أهوائهم"، وهذا ضرب من معالجة قوى النفس الإنسانية، تسديدًا، وترشيدًا بلا ريب.