على أن تدخُّل العناية الربانية في صياغة الشخصية النبوية، بعد اصطفائها مهبطًا للوحي والرسالة: لقوله عز شأنه: (الله أعلم حيث يجعل رسالته (( 10) ، وقوله جل وعلا: (وربُّكَ يخلقُ ما يشاءُ، ويختار (( 11) أقول: أن تولي العناية الربانية هذه الشخصية المرسلة، بالتنشئة (12) ، والتوجيه (13) ، والتأديب (14) ، لا يعكِّر على هذا الأصل الذي أصلنا، من الاستعداد الفطري لامتزاج معاني الوحي بالكيان البشري، قوى وملكات، وهو ما أدركه بعض أجلاَّء الصحابة (من مثل عبد الله بن عمر) حيث عبَّر عن ذلك بقوله ـ فيما نقله عنه الإمام الشاطبي ـ:"إن المجتهد الحق، قد أُدرجت النبوة بين جَنْبَيْهِ، وإن لم يكن نبيًا"ـ الموافقات ـ ج3 ـ ص 371 ـ وذلك لاستقامته في كافة مواقفه الحيوية على سَمْت ما تقضي به الهداية الإلهية فضلًا عما أُوتي من نفاذ البصيرة، وأصالة التعقل، وعمق الإدراك، وسداد المنطق، وحيوية الضمير ـ بما تعهدها جميعًا بالتنمية والإرواء ـ واتساق آرائه الاجتهادية، وقوة مُدْرَكِها، إذ غدا ما استسرَّ في كيان تلك"الشخصية الاجتهادية"، من معاني الوحي وحقائقه ـ كتابًا وسنة ـ منطلقًا أساسيًا لتلك"المواقف الحيوية الحاسمة"التي اتخذها لا في حياته الخاصة والعامة، وبما يتعلق بمصير أُمته وحسب، بل وفي تاريخ البشرية بأسرها، أيضًا، حتى غيَّر مجراه، وهذا ـ بلا مراء ـ إيذان بواقعية هذه المُثُل، وما تشتمل عليه من القيم الموضوعية المطلقة التي تعلو على الزمان، والمكان، والأجناس، والألوان، واللغات، لتحلِّق في الأفق الإنساني الرحب، ولتطابق ـ بحكم موضوعيتها وإطلاقها، وعمومها ـ وحدة جوهر الفطرة البشرية، في مقتضياتها، وهذا منشأ عالميتها، وإنسانيتها، وكمالها، وإنها خالدة بخلود الفطرة نفسها، لصريح قوله عز وجل: (فأقم وجهك للدين حنيفًا، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لِخَلْقِ الله، ذلك الدين القَيِّم (( 15) .