فهرس الكتاب

الصفحة 5022 من 23694

ليست"مفاهيم"القرآن الكريم مجرد معان ذهنية تجريدية، هي متاع للعقل، أو بيِّنات للمنطق، أو مثار للوجدان، أو غذاء وشفاء للنفس، وحسب ـ بما تمتاز به من موضوعية المعنى، ومثالية القيم، وخُلقيَّة المبنى، وشمولية التوجيه والهيمنة، وإنسانية المدى، وعالمية الأثر، وفطرية الأصدق ـ وإنما هي ـ إلى كل أولئك ـ منطلقات أساسية لكافة وجوه النشاط الإنساني واقعًا وعملًا، بما تملك من القدرة العجيبة على المزاوجة الواقعية بين جوهر الإنسان فطرةً ـ قوى وملكات، وغرائز ونوازع، وميولًا ـ وبين مقومات الوحي الإلهي رسالةً ـ مبادئ وأصولًا عامة منطوقة، أو معنوية مستنبطة ـ من شأنها أن يتم بها تحقيق النموذج الأمثل"للشخصية الإنسانية"وقد تحقق هذا فعلًا، فأخرجت لنا مثلًا أعلى فريدًا خالدًا ـ في حياة البشرية ـ للأسوة والاقتداء ـ قولًا وسلوكًا، ومواقف، وأثرًا باقيًا على الدهر لا يَمَّحي ولا يتلاشى ـ مما يقيم البرهان الساطع على أن هذا الكيان البشري و النبوي معًا، هو ثمرة هذا"المزاج المؤتلف من حقائق الوحي، وخصائص ومقومات فطرة التكوين، لقوله تعالى: (قل إنما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليَّ (( 5) ، ولولا إمكانية صياغة هذه الشخصية الإنسانية المعنوية على عين القيم العُليا التي جاءت بها رسالة الإسلام، لمَا كان للأمر بالتأسي والاقتداء في قوله عز وجل: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، لمن كان يرجو الله واليوم الآخر (( 6) ، وجه معقول، ولعل هذا هو السرّ في قَصْرِ اصطفاء الله تعالى الأنبياء والرسل على"البشر"، ليضرب المثل الحي في إمكانية هذا الامتزاج الواقعي، المؤتلف، على نحو يُخرج لنا"النماذج الإنسانية الفريدة"، إخراجًا يؤهلها بحق، للريادة والقِيادة لسائر الأمم: (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتَنْهَوْنَ عن المنكر وتؤمنون بالله (( 7) ، بوصف"الخيرية"التي يندرج في معناها سائر القيم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت