فهرس الكتاب

الصفحة 5006 من 23694

وهو ستون ألف بيت يشتمل على تاريخ الفرس وهو قرآن القوم. وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه. وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها وعلى أن لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر"."

وعندنا أن السبب هو التزام الشعراء العرب الكبار وحدة القافية وقلة اكتراثهم بالتأليف في موضوع واحد كالتاريخ وغيره على حين أن شعراء العجم وجدوا فيما يدعى بالمثنوي وهو نظم على بحر واحد مختلف القافية إلا في شطري البيت الواحد كالرجز عندنا متسعًا في القول والتأليف.

هذا وقد شاع عند الإيرانيين هذا النوع أي المثنوي من التأليف وانتظمته ثلاثة موضوعات مهمة: تاريخية كالشاهنامة للفردوسي وصوفية كمؤلفات سنائي (حديقة الحقائق، طريقة التحقيق، سير العباد إلى الميعاد) ، ومؤلفات فريد الدين العطار (منطق الطير، أسرار نامه) ، ومؤلفات جلال الدين الرومي (المثنوي) وتعليمية تهذيبية كمؤلفات الرودكي ومؤلفات سعدي ومنها بوستان الذي نحن بصدد الكلام فيه.

لعل الأحداث السياسية التي عصفت بإيران في تلك الحقبة واضطراب الحياة الاجتماعية وتجارب سعدي وسياحاته في أنحاء العالم الإسلامي وثقافته كل ذلك حمل هذا المفكر الشاعر الأصيل إلى تأليف كتابه هذا إذ جعل من نفسه فيه أستاذًا ومصلحًا يعتمد التعبير البليغ والبارع والتفكير السامي السديد يضيء للحكام وللناس في عهده سواء السبيل ويهديهم طريق الرشاد. هنا عند سعدي ندرك قيمة الكلمة وشرف الحرف وأثر الأدب في التوجيه وذلك ما يدعى في الفلسفة الفنية الحديثة بالالتزام أي أن المفكر الأديب مدعو إلى إنارة الحقائق ببيانه ومكافحة الضلال بأدبه فالأديب والشاعر مسؤولان في مجتمعهما وعليهما تبعة النضال في سبيل التقدم.

لقد استهل سعدي كتابه بوستان بأبيات هذه ترجمتها النثرية التقريبية:

لقد طفت في كثير من أنحاء العالم.

وسلخت بين الناس كثيرًا من الأيام.

وتمتعت في كل ناحية ومحلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت