هذا التحديد العددي رغم مظهره التعسفي ربما يكون مفيدًا في إجراء الإحصاءات. يمكن القول أن مسرى الشيخوخة يبدأ منذ الولادة بل قبل الولادة فمتى تشكلت المضغة خضعت لمجرى الزمان وتضافر النماء والضعف معًا لأنهما صنوان لا يفترقان في الكائن الحي. وقد لوحظ أن بعض الأعضاء تبدأ شيخوختها مبكرة كقوة السمع والبصر مثلًا إذا تبدأ بالانخفاض حوالي سن الثامنة أو العاشرة ولكن ليس المهم ما يصيب الأعضاء بل كيف تعمل العضوية بكاملها أمام مختلف العوامل المؤثرة.
لقد حددت منظمة الصحة العالمية بداية الشيخوخة في سن 75 وهو ما أطلق عليه تعبير العمر الثالث ولكن كثيرًا ما يدل هذا العمر على ما بعد سن الخامسة والستين لأنه سن التقاعد في المجتمعات الحديثة. إذ تتلامح في هذا السن العوامل المسقمة من الناحيتين الجسمية والاجتماعية ويجدر هنا التمييز بين دبيب الشيخوخة والهُتر الذي هو عاقبة ذلك الدبيب.
إن التحولات التي تطرأ على الجسم الحي تركيبًا أو تفريقًا تقدمًا أو نكوصًا تدعى الاستقلاب (الأيض) Metabolisme. فإذا كانت تركيبًا للعناصر وترميمًا للنسج دعيت ابتناء Anabolisme وإن كانت نكوصًا وصرفًا دعيت تقويضًا Catabolisme.
في الطفل والحدث يزيد الترميم والابتناء على الصرف والنكوص وفي البالغ الراشد يتعادل الابتناء والتقويض أما عند الشيخ فيضعف الترميم ويتسرب الخور والضعف. وهذا يوضح ضمور أوزان الأعضاء والتراجع الوظيفي فيها.
في بحوث البيولوجيا الخلوية يتفق الباحثون على أن من خلايا العضوية خلايا تتجدد كتلك التي في الجلد وفي الدم. ولكن تجددها لا يستمر إلى ما لا نهاية، وخلايا أخرى لا تتجدد كالخلايا العصبية ولها حياة محددة وفق برنامج وراثي. ثم إنها في مدى حياتها المحدودة تزداد فيها مصاعب الاستقلاب فتتراجع والخلاصة أن التقدم في السن يجلب نقص الخلايا وانتقاضها ويرافق ذلك تغيرات كيماوية واضحة.