ولا يكاد يخلو المرء من أن يتمثل ببعض الحكم القديمة المؤثلة أو الحديثة المتداولة في حياته اليومية تلقاء ما يعرض له من أحداث وما يرى من شؤون ما يبتدر فكره من تأملات فيطبق ما يحفظه من الأمثال عليها يعطي بها رأيه وينفث شجنه فتسترعي اهتمام السامع وتطامن حيرته، وتنفي استغرابه بما تتضمن من حكمة موجزة وبما تشير إليه من تشابه الأحداث وتكرر الصروف وبما تقدم إليه من موعظة ومن تبصرة. وكأن قائلي الأمثال ومرسليها حكماء أدركوا أسرار الحياة ورعوا كنه المجتمع واستنبطوا نزوات النفوس ونفذوا إلى أغوارها.
ولقد غدت الأمثال بأنواعها كما أسلفنا موضوع دراسات نفسية واجتماعية وفلسفية ولغوية وتاريخية سواء كانت قديمة مسجلة باللغة العربية الفصحى أو عامية متداولة في اللهجات المحلية تجري في نسغ الحياة الراهنة وتطالعنا كل يوم صباح مساء في الطريق وفي مكاتب العمل والمنازل وعند الراحة واللهو وفي الحديث الدائر بين الناس وكأنها الخبز أو القوت اليومي أو التوابل على موائد الطعام.
تفنن المفكرون في وصف الأمثال وبيان حقيقتها. جاء في الكتب العربية القديمة أنه سُميت الحكمُ القائم صدقها في العقول أمثالًا لانتصاب صورها في العقول مشتقة من المثول الذي هو الانتصاب من قولنا مثل بين يديه (1) . هذا المثول راجع إلى مكانتها البلاغية وصورها المؤثرة، قال إبراهيم النظام الفيلسوف المعتزلي: يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكناية فهو نهاية البلاغة (2) . وقال ابن المقفع الكاتب الشهير: إذ جعل الكلام مثلًا كان أوضع للمنطق وآنق للسمع وأوسع لشعوب الحديث (3) .
كذلك نجد في الكتب الأجنبية قديمها وحديثها تنويهًا بقيمة الأمثال. وقد صور الشاعر الإنكليزي تينسون Tennyson الأمثال تصويرًا بديعًا حين قال فيها: إنها جواهر ترمي بلألالئها الأخاذ في خضم الأبدية من فوق أنامل الزمان الممدودة (4) .