وكان يُسمع الحديث أيضًا بدار الحديث النورية (18) ، وبمشهد ابن عروة أول ما فتح، وكان السلطان العادل أبو بكر بن أيوب لما عزل القاضي الزكي (19) الطاهر بن محيي الدين عن قضاء دمشق أرسل إليه أن يتولاه فأبى فطلب حضوره عنده ليلًا فجاءه فالتقاه وأقعده إلى جانبه، فجلس محتبيًا مستوفزًا، فأحضر الطعام فلم يمد يده إليه ولم يأكل منه شيئًا، فسأله أن يتولى القضاء وكثّر عليه القول، فقال: حتى أستخير الله تعالى، فأخبرني من كان معه ملازمًا له أنه لما رجع إلى بيته جدد الوضوء ووقف يصلي ويتضرع ويبكي /99آ/ إلى الفجر، فلما أصبح خرج إلى الجامع فصلى الصبح بالكلاسة، ثم مضى إلى مقصورة الصحابة فصلى بها على عادته، ثم دخل بيته الصغير الذي في الحائط- وهو الباب الذي كان يخرج منه خلفاء بني أمية وأمراؤها للصلاة من لدن معاوية بن أبي سفيان إلى زمن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فلما أخذ الوليد من النصارى جهتهم الغربية وبنى القبة والنسر وجعل المحراب في وسط ذلك، فهو الذي بمقصورة الخطابة اليوم، والباب الأصغر فيها الذي بين المحراب وخزانة مصحف عثمان رضي الله عنه هو الباب الذي كان يخرج منه الوليد ومن بعده الخلفاء والأمراء إلى الصلاة بالناس، وأما الباب الكبير الخارج عن المقصورة الذي يخرج منه الخطباء فهو كان لعموم الداخلين إلى دار الخلافة بالخضراء لمن يأذن لهم في ذلك من جهة الجامع- فلما استقر الشيخ بذلك البيت جلس يذكر الله فلما طلعت الشمس إذا رُسُل السلطان قد جاؤوا في كشف ما فارقهم الشيخ عليه وهم: الجمال المصري والنجم خليل وغيرهما، فردّهم الشيخ وأصر على الامتناع وأشار بتولية الشيخ جمال الدين الحرستاني فولي، وكان قد خاف من الامتناع أن يتأذى من جهة السلطنة فجهز أهله للسفر وخرجت المحائر (20) إلى ناحية حلب فردها العادل وعز عليه ما جرى فقيل له: احمد الله تعالى أن في بلادك وفي زمانك من امتنع من ولاية القضاء واختار الخروج من بلده