فهرس الكتاب

الصفحة 3884 من 23694

على أن دقائق المعاني، وأسرار التشريع، شيء وراء ظاهر التفسير، ولذا ترى العلماء يطلقون عليه اسم"الباطن" (11) . وأيضًا ترى البلاغيين يطلقون على"اللوازم العقلية"للنص العباري، عبارة"معنى ذلك المعنى" (12) وهو ما اشتق منه الأصوليون"الدلالات العقلية"للنص القرآني التي تنهض بتلك اللوازم، وهي مقصودة للشارع قطعًا، فأضحى النص القرآني - بما تمت صياغته على أرفع مستوى عرفته البلاغة - ذا دلالات عقلية، فيما عدا المعنى اللغوي الظاهر، هذا فضلًا عن الحكمة الغائية للنص، وأسرار التشريع، مما لا يتناوله منطوقه، وإن كان متسقًا مع منطقه العام. ذلكم هو تأويل ما للعقل أو الرأي أو التفكير العلمي من مدخل في التفسير القرآني، قد اقتضته طبيعة النص القرآني نفسه، وخصائصه الذاتية في البيان، وصياغته الفريدة التي دبرت الأمر في حقائق معانيه، وعميق أسراره، وبعيد مراميه، مما يستلزم إعمال الرأي في استخلاصها، كما ترى، وإلا كان إهدارها، وهو أمر محرم شرعًا، لأنها معان الهية قد فرض الله تعالى تدبرها، وتعقُّلها واستنباطها، لقوله تعالى: (لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونَهُ منهم (( 13) والعلماء متفاوتون في ذلك، مداركَ وملكات، وهو ما أشار إليه الإمام ابن رشد بقوله:"والسبب في ورود الشرع فيه الظاهر والباطن - أي المعاني الدقيقة التي يستقل بإدراكها العلماء المتخصصون - هو اختلاف نظر الناس، وتباين قرائحهم في التصديق" (14) وهو ما اضطلع به الإمام الطبري في تفسيره الجليل، يجمعه بين الأثر والرأي على ما سيأتي تفصيل القول في مقامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت