فهرس الكتاب

الصفحة 3855 من 23694

ويقرر الغزالي تمهيدًا لما يريد الانتهاء إليه أن المحبوب الأول عند كل حي نفسه وذاته أي أن في طبعه ميلًا إلى دوام وجوده. فدوام الوجود محبوب، وكذلك كمال الوجود لأن الناقص فاقد للكمال. ويترتب على هذا ميل الإنسان إلى من يحسن إليه ثم الميل إلى الشيء بذاته كحب الأشياء المتحلية بالحسن والجمال والكمال.

ثم يترقى مؤلف الإحياء فيقرر أن الجمال والحسن ليس مقصورًا على تناسب الخلقة والشكل وحسن اللون بل هو موجود في غير المحسوسات إذ يُقال هذا خلق حسن وهذا علم حسن وهذه سيرة حسنة وهذه أخلاق حسنة. وإنما الأخلاق الجميلة يراد بها العلم والعقل والعفة والشجاعة والتقوى والكرم والمروءة وسائر خلال الخير. وشيء من هذه الصفات لا يدرك بالحواس الخمس بل يدرك بنور البصيرة الباطنة. وكل هذه الخلال الجميلة محبوبة، والموصوف بها محبوب بالطبع عند من عرف صفاته. وكذلك ينضم إلى ما سبق من أسباب الحب ائتلاف النفوس وتناسبها.

ثم إن الجمال والحسن وسائر الصفات الجميلة الحسنى التي هي في أقصى درجات الكمال لا يتصور اجتماعها إلا في حق الله تعالى. فلا يستحق المحبة بالحقيقة إلا الله سبحانه وتعالى.

وهكذا يتبين في هذا التحليل المتعمق والترتيب الصاعد ارتكاز الحضارة العربية الإسلامية على النظر المتفائل إلى الكون لأن الخير والجمال والكمال هي الأمور الموجهة لتصرف الناس وأعمالهم والمعيَّنة لغاياتهم وأهدافهم إذ هم جميعًا في غضون حيواتهم يتشوفون للقيم العليا التي هي من خصائص الكيان الإنساني ومن مسوغات رفعته وعليائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت