أما الفئة الثانية فكانت من الأطباء الهنود، جاءت بتشجيع من العائلة البرمكية، وكان من أشهرهم الطبيب منكه، وصالح بن بهلة، وغيرهم من البوذيين. وكان من البديهي أن يحوز أطباء جنديسابور ثقة الخلفاء المسلمين وثقة عامة الشعب، لعدة أسباب: أولها أنهم كانوا من أهل الذمة، يضاف إلى ذلك أنهم كانوا أقرب صلة ونسبًا إلى العرب من النواحي اللغوية والعرقية والتاريخية.
ومع ذلك فإن المؤرخين والمؤلفين في الطب العربي لم يغمطوا الأطباء الهنود حقهم، بل ذكروا حسب شهادة الزميل الهندي، فضل هؤلاء الأطباء وذكروا أسماء مؤلفاتهم وما اقتبس العرب منها"لقد ذكرتني هذه المناقشة، التي كان محورها تأثير الطب الهندي في الطب العربي، بمخطوطة قديمة نادرة، كنت تصفحتها في المكتبة الظاهرية بدمشق، عنوانها"كتاب شاناق في السموم والترياق"وقررت أن أنتهز أول فرصة للقيام بدراستها وتحقيقها للاطلاع على ما وصل إليه الطب الهندي قديمًا في علم السموم. ولما دعاني المجلس الأعلى للعلوم، للاشتراك بأسبوع العلم التاسع عشر، وجدت أن خير ما أتكلم به هو علم السموم في الطب العربي، وصلته بعلوم الشعوب القديمة والحديثة."
**يعتبر علم السموم من العلوم القديمة بموضوعها الحديثة بأساليبها. وقد اشترك كثير من شعوب العالم بتطوير هذا العلم، لذلك لا بد لنا من أن نشرح مراحل تقدمه هذه عند كل من الشعوب الرئيسية التي شاركت في بناء حضارتنا.
التسمم العفوي والتسميم القضائي:
من المعلوم أن الإنسان البدائي، منذ أن ظهر على وجه الأرض، كان عرضة لمجموعة من المصائب الطبيعية، التي كانت تهدد كيانه وتقضي على عدد كبير من أفراده. وكانت النباتات والحيوانات السامة تعتبر من ألد أعداء الإنسان، الذي صعب عليه لفترة طويلة من الزمن، أن يميز بين النبات النافع والنبات الضار، والحيوان الذي يمكن أكل لحمه، والحيوان الذي يقضي عليه إذا أكله.