هذا، ويحمل على الظن - بادئ الرأي - أنه في جملته، نوع من التفسير بالمأثور المحضّ، بما يبدو لمطالع هذا التفسير الجليل، من ظاهرة كثرة الروايات التي يستند إليها الإمام، مصدرًا علميًا تقوم به الحجة، في معرض تفسيره، وإظهاره لمعاني التنزيل، والإفصاح عن حقائقه، إنَّ في تحقيق مدلول اللفظ المفرد، أو تحديد ما يصل بين أجزاء النظم القرآني من علاقات، وما ينبغي أن يتم بينها وبين المعنى العام المراد من الآية الكريمة كمَلا من الاتساق، أقول، إن ما يحمل على الظن - بما يبدو من ظاهرة كثرة الروايات - من أن تفسير الإمام الطبري لا يعدو أن يكون من التفسير بالمأثور، هو ما قرره فريق من المُحدثين وبعض المستشرقين في دائرة المعارف الإسلامية (3) ، ومن قبلهم العلامة ابن خلدون (4) حتى عَدَّ الإمام الطبري من مدوني التفسير بالمأثور، وهذا النظر - في اعتقادنا - مُبتَسر لا يعدو هذه الظاهرة إلى ما وراءها من"المنهج العلمي"الذي التزمه الإمام في تفسيره، استنادًا إلى قواعد محررة، فرضتها طبيعة النظم القرآني نفسه، وخصائصه في البيان، فضلًا عمَّا اقتضته ظروف تنزيله، خلال ثلاثة وعشرين عامًا تقريبًا، مما يطلق عليه"أسباب النزول"بما يساعد على تحديد"الأوضاع"التي كانت مناسبات ودواعي لنزول ما يتعلق بها من تشريعات بدلتها، أو أزالت معالمها، باعتبارها معالم جاهلية فاسدة، مما يمكن معه الوقوف على اتجاهات التشريع الجديد، وغاياته من الإصلاح الاجتماعي، وتحقيق الخير الإنساني العام، على ما سيأتي بحثه مفصلًا، وهو ما اضطلع به الإمام الطبري، الأمر الذي لا يصح معه القول، بأنه من"مدونيّ التفسير بالمأثور"الذين أخلصوا أنفسهم له، مما يستلزم إمِّحاء"الشخصية العلمية"للإمام، إذ غدا - على أساس هذا الظن الواهم - مجرّد ناقل، وجامع، ثم مدون لهذه النقول، وهو ما ينقضه واقع صنيع الإمام في تصرفاته في وجوه المعارف التفسيرية المأثورة، من السنة،