فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 23694

وكانت الدولة العباسية خلال هذه الفترة قد أخذت تستفيق وتحاول إعادة مجدها وبسط سلطانها الذي لم يبق السلاجقة منه ما يذكر، وظهرت بوادر تلك اليقظة بظهور شخصية عباسية عظيمة هي شخصية الخليفة المسترشد بالله 512-529هـ (2) . وكان المسترشد يوم ولي الخلافة في عز قوته: شابًا لم يتجاوز السابعة والعشرين من عمره، فحاول جاهدًا الحد من نفوذ المتغلبين على الخلافة كبني مزيد وغيرهم، وباشر الحروب بنفسه، ثم أخذ يتطلع إلى شيء أعظم من ذلك: هو إبعاد النفوذ السلجوقي عن الخلافة العباسية، ولم يكن ذلك بالأمر اليسير والسلاجفة في عز قوتهم وسلاطينهم الأقوياء مثل السلطان محمود وولده مسعود يسيطرون على دفة الأمور. وعلى الرغم من أن هذا الخليفة العظيم قتل سنة 529 نتيجة لمؤامرة بين الباطنية والسلاجفة فإنه كان طلائعيًا فتح الباب على مصراعيه لمن جاء بعده للوقوف بوجه النفوذ السلجوقي، قال مؤرخ الإسلام شمس الدين الذهبي:"كان ذا همة عالية وشهامة وإقدام ورأي وهيبة شديدة، ضبط أمور الخلافة ورتبها أحسن ترتيب، وأحيا رمم الخلافة ونشر عظامها، وشيد أركان الشريعة وطرز أكمامها، وباشر الحروب بنفسه، وخرج عدة نوب إلى الحلة والموصل وطريق خراسان" (3) . ومن أجل كل ذلك كان المسترشد بالله يتقرب إلى شعبه ويتمسك بدينه فسمع الحديث من أبي القاسم ابن بيان وعبد الوهاب بن هبة الله السيبي وغيرهما، بل قرأ عليه المحدث محمد بن عمر بن مكي الأهوازي أجزاء الحسن بن عرفة بسماعه من ابن بيان، فكان ابن الأهوازي يقرأ عليه والخليفة سائر بقرب المدائن لقتال دبيس بن صدقة المتغلب على الحلة (4) . وحذا ابنه الراشد حذوه في الحرب، فحاربه السلطان وخلعه (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت