أما الدراسة الأولى فنلاحظ أن فكرة الشورى- أي انتخاب الخليفة- التي نادت بها الثورة الزبيرية، ونمتها فرقة الخوارج، الذين اتسعوا بها إلى انتخاب أي عربي، ثم أي مسلم فاضل، يعتبر مسؤولًا بصورة مباشرة أمام الأمة فتعزله إذا انحرف، هي النظرية الرئيسية في الأوساط العامة لا أيام الخلفاء الراشدين فحسب، بل كذلك أيام الأمويين، وقد تجلى هذا، عمليًا، إما في محاولة إقناع رؤساء القبائل والأشراف- خاصة من الشام- أو في التخيير بين اتفاق هؤلاء على مرشح بين أكثر من شخصية طامحة، كما حصل في اختيار مروان بن الحكم من قبل الملأ- أو مجلس أشراف اليمانية- في دمشق، وبين نوع من الوراثة، وبين الثورة المدعومة بقوى قبلية، كما فعل يزيد بن الوليد، ومروان بن محمد، دون أن ننسى خلال ذلك أن الأمويين حاولوا التأكيد على فكرة الجبر، وأن السلطة بقدر من الله. وأن الخليفة هو خليفة الله- بدءًا من عبد الملك- وأن على الناس الطاعة. ولكن هذا الواقع المتأثر أكثر فأكثر بأساليب التنظيم الساساني والبيزنطي، البعيدين كل البعد عن الفكرة الإسلامية الأولى- كان يناهض الرأي العام السائد ويثير النقمة، على ما يلاحظ"جب"في كتابه: دراسات في حضارة الإسلام (1974، ص 45-60) . ومع أنه كان هنالك رأي مناهض للشورى، يقول بضرورة الإمامة، المفروضة من علٍ، فإن تعريف الإمام الأول هو أنه سيملأ الأرض عدلًا، كما ملئت من قبل ظلمًا وجورًا، ولا شرعية لإمام، من غير هذا النوع. وهكذا نجد المذهبين، الشوري والإماميّ، يلتقيان في شروط للإمام أهمها العلم، والكفاءة، والعدل، والقدرة على حماية الأمة من الأخطار. وكلا الأمرين مشروع، لو حقق غايته.