أما في عهد العباسيين، فقد استفحل أمر الاستبداد، وقُضي على حرية الفكر، بدرجة أقوى وأشد. إذ جاء هؤلاء إلى الحكم بثورة ضد الأمويين، وغُدِر بأبناء عمهم، أبناء علي بن أبي طالب. فاستتبع هذا ثورات كثيرة قادها الأئمة من هؤلاء. وزاد في الاستبداد ثلاثة عوامل:
1-أولها دخول العنصر الفارسي كشريك قوي في الحكم، وإحياء تقاليد الحكم الفارسية القديمة، وهي تقاليد القمع والاستبداد والقضاء على كل فكر حر.
2-والثاني شعور العباسيين بأنهم جاؤوا للخلافة بما يشبه الحق الإلهي، واعتبار كل الخلفاء الآخرين، كمغتصبين، مما يشهد عليه خطبة عم العباس السفاح، داوود، في أول خطبة لتدشين الخلافة العباسية.
3-والعامل الثالث، هو أن صورة الحكم في كل البلاد المعروفة يومئذ، كانت صورة الحكم الاستبدادي الذي يقوم على إعدام حرية الفكر، فلا غرابة أن يتطور الحكم العربي- الإسلامي، في هذا الاتجاه العام الشامل، ولو خرج فيه عن تقاليده الأولى وقيمه الأساسية.
ولا شك أن بعض العهود العباسية عرفت صورًا من حرية الفكر قل مثيلها في العالم، في ذلك الحين مما أتاح للمعتزلة أن يروا في الدين آراء غير تقليدية. إلا أن المأمون نفسه الذي أعز المعتزلة، واقتنع بصحة رأيهم، لم يزد على أن عامل المعارضين بمنتهى القسوة والاستبداد، حتى ليضرب أحمد بن حنبل لأنه لا يرى رأي المعتزلة. ومن الغريب أن يقوم رأي المعتزلة على حرية الفكر، ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، وأن يجدوا مع ذلك أن لا حرية لمخالفيهم في الرأي، وأن على المعارضين أن يروا رأيهم ولو بالقوة. ونحن نعرف من ناحية أخرى كيف أن الورعين من رجال الدين والأئمة، كانوا يرغبون عن مناصب الدولة، لبعدها عن قيم الإسلام الأولى، حتى يجب أن يُضرب أبو حنيفة، ويُعنَّف، ويُقسى عليه، ليقبل القضاء على بغداد.