ومع ذلك فإن انقسام الحياة القبلية إلى قيسيين ويمنيين كان يترك بعض المجال لحرية الفكر، أو لوقوف السلطة عند بعض الحدود، في تعاملها مع الشعب. لقد كانت تلك القبائل أشبه ما يكون بالأحزاب القائمة، الشديدة القوة، ولهذا فإن الخلفاء الأمويين لم يستطيعوا أن يمارسوا الاستبداد المطلق، رعاية لتوازن القوى بين مختلف القبائل. ولم يكن لهم من مخرج آخر غير أن يلعبوا على هذا التوازن، مرة لجانب هذا الفريق، ومرة أخرى، للفريق الآخر. إلا أن نمو الحياة الحضرية، والضعف المتزايد للروابط القبلية، جعل خط الاستبداد يتصاعد شيئًا بعد شيء، بحيث نرى أن أواخر خلفاء الأمويين أكبر استبدادًا من أوائلهم، وأشد عنفًا على الشعب والمعارضين. وهذا ما يتضح من قول عبد الملك لأبيه عمر بن عبد العزيز أثناء خلافته: يا أمير المؤمنين: ما تقول لربك إذا أتيته وقد تركت حقًا لم تحيه أو باطلًا لم تمته؟ فقال:"يا بني إن أجدادك قد دعوا الناس عن الحق، فانتهت الأمور إليّ، وقد أقبل شرها، وأدبر خيرها، ولكن أليس حسنًا وجميلًا ألا تطلع الشمس عليّ في يوم إلا أحييت حقًا، وأمت باطلًا؟"وبديهي أن خلافة عمر بن عبد العزيز كانت ظاهرة شاذة في تاريخ الأمويين.
ومع ذلك فإن"حرية الفكر"كمبدأ ظلت هي السائدة في قلوب الناس. وعندما نعلم أن أهل سمرقند شكوا إلى عمر بن عبد العزيز أن قتيبة غدر بهم واستولى على مدينتهم، على غرة منهم، أمر بأن يقضي قاض بينهم، فقضى هذا أن يخرج العرب من المدينة، وينابذوا أهلها على سواء، فيكون صلحًا جديدًا أو ظفرًا، وتبدو هذه الحادثة العجيبة والفريدة دليلًا واضحًا على نمو الوجدان الديني، واحترام القيم الأخلاقية، والرجوع عن ميزان القوة إلى ميزان العدل، وشيوع ذلك كله بين الناس، القريب أو البعيد، والصديق أو العدو.