لذلك لما كانت السيوف والأسنة تلمع وكانت الكواكب والشهب الثاقبة ذات بريق وسنا أخاذ جرى تشبيه بعضها ببعض. إلى جانب الأبيات الآنفة نتذكر بيت بشار الرائع:
كان مثار النقع فوق رؤوسنا
وبيت أبي تمام المزخرف الذي يقابل بين شهب الأسنة والشهب الكواكب السبعة: ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
والعلم في شهب الأرماح لامعة
وقول ابن هانئ يمدح المعز ويصف سيفه: ... صور الوقائع فوقه تخييلا
وإذا استضاء شهابَه بطلٌ رأى
وإذا تدبره تدبَّر علة ... للنيرات ونيرًا معلولًا (16)
البيت الثاني هذا غريب يشمل لفظين فلسفيين وهما العلة والمعلول. ... قم في البرية فاحددها عن الفند
يريد أن يقول: إن نوره انتقل إلى النجوم فكان سبب إنارتها وإن نور النجوم انتقل إليه منها. ومعنى ذلك ببساطة أن بريقه يذكر ببريقها وأن بريقها يذكر ببريقه. ولكن بيان الفكرة فلسفي (هل نقول بين الطرفين فِعْل جدلي؟!) .
ثم إن البيت الذي نحن بصدده:"يكفيك من قلع السماء مهند.."ينقلنا إلى أمر آخر وهو أن بعض الشهب الثاقبة التي تقع على الأرض صنع من حديدها ذلك السيف. ونريد أن ننبه على أمر وهو أن الشهب دائمة السقوط على الأرض وليس صحيحًا تخصيص سقوطها بزمن الصواعق. ولكن التخصيص جاء من الوجل الذي أشرنا إليه.
وعندنا أن النمري قد أفاد مما توارثه القدماء في شأن الحديد وحصيلته أن بعض السيوف البتارة إنما صنعت من حديد النيازك الواقعة فوق أديم الأرض. ولما كانت هابطة من السماء حملت معها بعض الأسرار الخفية من القوة والمضاء كما يوحي بذلك الشعر الذي ينوّه بصمصامة الزبيدي ويبرم الصلة بين الصواعق والسيوف.
وهكذا يفضي بنا شعر النمري إلى إيضاح مقالات الشعراء في ذلك وإلى قضية صنع السيوف والسكاكين من حديد النيازك والشهب في العهود القديمة وإلى بيان شأن الحديد الذي في الشهب والنيازك ثم إلى التنويه بقيمة الحديد عامة.
الحديد والأنتروبولوجية الحديثة: