مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد الأول - السنة الأولى - تشرين الثاني"نوفمبر"1979
لاشك أنه ليس على كاتب العربية أن يكون من جهابذة اللغة، الراسخين في علومها، المتضلّعين من فنونها، المحيطين بأصولها وفروعها، لكنه لا معدل له على كل حال، أن يلم بأهم قواعدها، ويتعرف أظهر مذاهبها، ويتبيّن أشهر أساليبها، ذلك لتبرأ كتابته من شوائب الخطأ، وتتنزه عن الابتذال واللغو، وإلا فقد ينأى عن الفصحى، أي نأي، ويدنو من العاميّة، أيّ دنو! وإذا استقرّ هذا، فلسنا مع النقّاد الذين أسرفوا على أنفسهم فاعتزّوا بعلمهم وإحاطتهم، وقطعوا بفساد كثير مما جرت به أقلام الكتاب، وطاعت به ألسنتهم، بلا تأمل، أو فضل تثبت وتحقيق. فقد اقتادهم هذا أن يحجروا من كلام الكتاب، الصحيح الظاهر، ويمنعوا من أساليبهم المستقيم السائغ، وفي ذلك ما فيه من تنفير للكتاب بلغتهم، وصرفهم عن إتقانها، وثنيهم عن المضيّ في تدارك ما ينبغي أن يُحصوه من مسائلها، أو يستنبطوه من حقائقها، من حيث قصدوا إلى إغرائهم بها، وإرهاف عزائمهم على تحصيلها.
-فمن موارد الوهم في التخطئة مثلًا أن يوجب النقاد على الكتاب الأخذ بالأشهر والأفصح، والصحيح أنه من أخذ بالجائز الذي لم يناهز حدَّ الكثرة والشهرة، فقد أخطأ المشهور، لكنه لم يُخطئ الصواب على كل حال. وليس يُحمل الكتاب على تخيّر أجود اللغتين في سائر ما يتفق لهم من صنوف الكتابة. ودونك ما جاء في المزهر للسيوطي، وفي الخصائص والمحتسب لابن جني، حول هذه المسألة: ففي المزهر (1/126) : (قال ابن درستويه: وليس كل ما ترك الفصحاء استعماله بخطأ، فقد يتركون استعمال الفصيح لاستغنائهم بفصيح آخر، أو لعلّه غير ذلك) .